Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
الرحمن على العرش استوى
كيف استواؤه؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء أى الحمى، ثم قال الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج، ففهمت جماعة من كلام مالك أنه يرى الاستواء على أصله من الاستقرار، وأنه لا يكيف لئلا يلزم تشبيهه بالخلق، وجماعة أنه يرى الاستواء على العرش صفة لله تعالى يجب الإيمان بها بدون تفسير لها، ويحتمل أن يريد بقوله الاستواء غير مجهول، الاستواء الذى هو التنقل والصعود أو الاستقرار، يعنى أنه غير مجهول فى حق من يوصف بالتنقل والصعود أو الاستقرار، وبقوله الكيف غير معقول نفى السؤال من ذلك، كما يدل له قوله والسؤال عنه بدعة. { يغشى الليل النهار } يغطيه به ويصيره غاشيا له، مضارع أغشى المتعدى لاثنين بالهمزة، وحذف عكس ذلك للعلم به أى ويغشى النهار الليل، ولأن اللفظ يحتمله بأن يجعل الليل مفعولا ثانيا هو المغشى، والنهار مفعولا أول هو الغاشى، ولو كان الأول هو الأصل لسلامته من التقديم والتأخير، لكن سهل الثانى ظهور المعنى وصحته على كل وجه، فلما كان اللفظ يحتملهما بأن يظهر منه المعنى الأول ويسوغ الثانى، اكتفى به لأنه يتراءى به كل منهما ويوافق الثانى قراءة حميد بن قيس بفتح الياء والسين، ونصب الليل ورفع النهار، فإنها نص فى أن النهار غاش لليل، وذلك فيما قال جار الله وأبو الفتح، وقال الإمام أبو عمر والدانى قراءة حميد برفع الليل ونصب النهار، وهى توافق الأول، قيل أبو الفتح أثبت، وقرأ عاصم فى روايته عن أبى بكر وحمزة والكسائى يغشى بالتشديد للتعدية إلى اثنين كما عدى الهمزة إليهما فى القراءة الأولى لا للتكثير كما قال القاضى، إلا إن أراد أنه بالتشديد يصير بصيغة المشدد للتكثير، وفيها الوجهان اللذان فى القراءة الأولى.
{ يطلبه حثيثا } يعقبه سريعا كالطالب له، لا يفصل بينهما شىء، وتعاقبهما يحصل بحركة الفلك الأعظم وهو يتحرك فى مقدار رفع الرجل ووضعها ألف فرسخ، والجملة حال مما جعل مفعولا أول، ومن الفاعل فى قراءة حميد، وحثيثا مفعول مطلق، أى طلبا حثيثا، أو حال من ضمير يطلب متضمنا مع اللازم وهو سريع أو من الهاء معنى محثوثا عليه، وهذه الجملة أنسب وأوفق بقراءة حميد. { والشمس } معطوف على السماوات والأرض { والقمر والنجوم مسخرات } مذللات فيما أراد منهن من طلوع وغروب وغيرهما، وهو حال من النجوم والقمر والشمس، وقرأ ابن عامر برفع الكل على الابتداء والإخبار، وقرأ إبان بن تغلب برفع النجوم ومسخرات، ونصب الباء { بأمره } أى بقضائه أو بمشيئته وتصريفه أو بقوله كن فاعلات كذا بتشديد النون، وعلى هذا فهو ضد النهى أو أمره هو نفس الطلوع والغروب، وهو متعلق بمسخرات، وأفرد الشمس والقمر بالذكر مع عموم النجوم لهما لعظمهما وشرفهما لما فيهما من النور، ومعرفة الأوقات والليل والنهار، أو لأن النجوم لا تشملهما فى العرف، أخبر الله سبحانه بخلق ذلك وتسخيره بعد إخباره بخلق السماوات والأرض، واستوائه على العرش جميعا بين العيان الشديد الوضوح والخبر. قال كعب يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة، وكأنهما ثوران عقيران فيقذفان فى النار، وذلك بمحضر عكرمة وغيره، فأخبر ابن عباس فقال له كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب ثلاثا، بل هذه يهودية يريد إدخالها فى الإسلام، والله أجل وأكرم أن يعذبهما مع طاعتهما وانقيادهما، قاتل الله هذا الحبر، وقبح حديثه، ما أجرأه على الله، وما أعظم فريته، ثم استرجع مرارا وذكر ما مر فى الأنعام، وما يأتى فى الإسراء، فجاء كعب وتاب وقال إنى حدثت عن كتاب غيرته اليهود، وأنت حدثت عن كتاب لا يتغير، وعن سيد المرسلين، وأنا أحب أن تحدثنى بما ذكرت لهم، وأكتفى به، ولا أذكر من أمرهما شيئا سواه أبدا، فحدثه. وذكر بعض أن الله تعالى خلق الشمس من نور العرش، والقمر من نور الحجاب، وقيل الشمس من نار وهى مثل الأرض عند أهل التعديل، وقال أهل الهند أضعاف الأرض مائة وستين مرة أو مائتين، وهى والقمر يجريان فى بحر لو بدت منه لاحترقت الأرض ولو بدا لعبد من دون الله، وعن بعض كل يوم يرميها بالثلج سبعة أملاك موكلون بذلك أبدا ولولا ذلك لاحترق ما أتت عليه، وهى فى السماء الرابعة وهو فى الأولى، وقيل هما فى بحر دونها وفيهما كلام فى غير هذه الآية، والنجم أكبر من الأرض، ونوره من العرش أو من الشمس قولان، وفيه كلام فى غير هذه الآية.
{ ألا له } لا لغيره { الخلق } الإيجاد بعد العدم أو المخلوقات { والأمر } ضد النهى، أو بمعنى الأمر فأل للجنس فذلك يحتمل أربعة معان أن يكون الخلق بمعنى الإيجاد والأمر ضد النهى، وأن يكون الخلق بمعنى المخلوقات والأمر واحد الأمور والمراد الجنس، وأن يكون بمعنى الإيجاد والأمر واحد كذلك، وأن يكون الخلق بمعنى المخلوقات والأمر ضد النهى، وذكر النقاش وسفيان بن عيينة أنه يؤخذ من هذا المعنى الأخير أن كلام الله ليس بمخلوق، لأن الله فرق بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر، يعنيان أن من جعل الأمر الذى هو كلامه من جملة ما خلقه فقد كفر، لأن المخلوق لا يقوم إلا بمخلوق مثله. وتقول ليس ذلك بشىء لجواز أن الأمر بمعنى كلامه من المخلوقات، وعطفه عطف خاص على عام، وما ذكره على أن المخلوق لا يقوم إلا بمخلوق مثله صحيح، لكنا ولو قلنا القرآن وكلام الله مطلقا مخلوقان لا نقول بقيامهما به تعالى، فضلا عن أن يرد علينا قيام المخلوق للقديم، فإن كلام الله ألفاظ خلقها تسمع بلا لافظ وسمعتها الملائكة، أو ألفاظ أرادها وكتبها القلم فهو فعل كالإماتة والإحياء، بل لو سلمنا ما قالوا فى الآية لزمهم تعدد القديم، وإن قالوا إنه وكلامه مجموعها إله قديم، لزمهم أن يكون ذا أجزاء، تعالى الله، والتجزىء يلزمه الحديث والتركيب والحلول، تعالى الله عن ذلك، إلا إن أرادوا بالكلام الكلام النفسى، فيرجع البحث إلى إثباته لله سبحانه، وعدم إثباته والحق عدمه، وفى الآية رد على من قال للشمس والقمر تأثير فى العالم، فإنما يتراءى لهذا القائل أنه تأثير لهما هو خلق الله سبحانه بواسطة الحرارة مثلا، وقيل الأمر الإرادة، وعن الشعبى الخلق عبارة عن الدنيا، والأمر عبارة عن الآخرة. { تبارك الله } عظم أو كثرت خيراته، أو تنزه عن ما لا يليق، ولا مضارع له، قيل وعلة ذلك أنه لم يوصف به غير الله، والله تبارك فى الأزل، وهو تعليل يناسب المعنى الأول والثانى، ولا يقال مبارك ولا متبارك لأنه لم يرد فيهما التوفيق، وقيل لأبى على القالى كيف المستقبل من تبارك؟ فقال يتبارك، وغلطوه بأن العرب لم تقله، وليس تغليطه إنصافا، فإنه أجاب على وفق السؤال، ولم يقل إنه ورد من كلامهم، بل أراد أن قاعدة مضارعه يتبارك، والأرجح التغليظ أيضا على السائل إن كان هو المغلط له، حيث اقتضى كلامه إثبات المضارع له، فهو يسأل عن كيفيته بعد إثباته. { رب العالمين } السيد المصلح لأمور المخلوقات كلها، المدبر لها بتحريك الأفلاك، وتسيير الكواكب، أو تكرير الأيام والليالى، وقوله { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } نتيجة لما قبله من خلق السماوات والأرض واستوائه على العرش، فذلكة له، فكأنه قيل فذلك اختصاص للخلق والأمر به وعظمة.
[7.55]
{ ادعوا ربكم } سلوه قضاء حوائجكم الدنيوية والأخروية، والدعاء عبادة، فإن الداعى معترف بأنه عاجز عن حاجته، وأن الله جل وعلا قادر عليها وعالم بها { تضرعا } تذللا واستكانة وتملقا { وخفية } خفاء وسرا، بين دعاء السر ودعاء الجهر سبعون ضعفا قاله الحسن، وقال إن الله يحب التقى والدعاء الخفى، إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير ولا يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة وعنده زائروه وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه فى السر، فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون فى الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وأثنى الله على زكريا بقوله
إذ نادى ربه نداء خفيا
وجهر الناس بالتكبير فقال صلى الله عليه وسلم
" أيها الناس أربعوا على أنفسكم، أى قفوا عن هذا الجهير إنكم لا تدعون أصم ولا أعمى ولا غائبا إنكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة "
وتضرعا وخفية مفعول مطلق، أى دعاء تضرع وخفية، أو حال على المبالغة، أو بتقدير ذوى تضرع وخفية، أو متضرعين وخافيا دعاؤكم. وعن الحسن التضرع أيضا السر، وهو فعل القلب، وقال الزجاج { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } اعبدوه باستكانة واعتقاد ذلك فى القلوب، وكل من العبادات والدعاء أدبه السر إلا الفرائض، فإظهارها أفضل إذ يؤمن الرياء بها، وإن لم يؤمن أخفيت، وإن كان يتهم عليها أظهر، وجاهد الرياء، وقيل إظهار العبادات مطلقا ولو نفلا أفضل ليقتدى بها، وإذا حضر الرياء جاهده ونفاه. وقيل إن أمن الرياء أظهر للاقتداء وإلا أخفى، وذكرت كلاما فى الصلاة فى المسجد فى شرح النية يشمله عموم هذا الكلام، ورجح بعض قول الزجاج بأن الأصل فى العطف التغاير، والدعاء مذكور بعد، فليكن الذى هنا بمعنى العبادة، وليس ترجيحا قويا لجواز العكس بأن يكون هذا عبادة، وذاك سؤالا، وإن يكونا معا سؤالا لكتة تأتى إن شاء الله، وقرأ عاصم عن أبى بكر بكسر الخاء وهو لغة، وقيل المكسور بمعنى الخوف، وقرأ بعض خيفة بتقديم الياء أى خوفا، ونسبت للأعمش. { إنه لا يحب المعتدين } أى المعتدين إلى ما لا يجوز كرفع الصوت بالدعاء والإلحاح فيه، وطلب معصية وما لا يجوز كرتبة الأنبياء، والصعود إلى السماء، ولإسهاب فيه والاستغراق، وفى الحديث
Halaman tidak diketahui