فلما قال ذلك التفتت سلمى إليه وقالت: جدي؟
قال: نعم يا حبيبتي، ولعلك أدركت شيئا من ذلك يوم سمعتني أرثي الحسين في سهل كربلاء.
فترامت سلمى على يديه تقبلهما، فقبلها عدي وهو يبكي ويشهق، وبكى عبد الرحمن وقبل يد الشيخ، ثم عاد الشيخ إلى إتمام الحديث فقال: أما سبب تكتمي فذلك أني لما أصبت بمقتل حجر لم يعد يحلو لي البقاء، ولكن قلبي ظل عالقا بالانتقام، فعللت نفسي بموت معاوية ومبايعة الحسين، وجعلت مقامي فوق قبر ابني في غوطة دمشق أستنشق ترابه وأتنسم ريحه، فلما لم يظفر الحسين بالبيعة، وتولى الخلافة يزيد، صبرت في انتظار الفرج أو الموت، فلما جئتم إلى دير خالد واجتمعتم تحت الجوزة وتعهد عبد الرحمن بقتل يزيد، كنت أنا مختبئا في أعلاها، وأنا القائل لكم في تلك الليلة: «وبشر الذين ظلموا بعذاب أليم»، وظللت كاتما أمري وأنا أسعى في مساعدتكم جهدي، وأخفي وجهي حتى لا يعرفني عامر، وقد عاهدت الله منذ مقتل حجر ألا أقص شعري ولا آكل غير الفاكهة ولا آوي إلى المنازل، فلما علمت أمس بقرب موت يزيد حللت نذري وقصصت شعري كما ترونني.
وسكت الشيخ قليلا ثم قال: أما وقد مات يزيد، فقد آن لي أن أسلم الروح، وإني أوصيكم بتقوى الله، والتفاني في نصرة أهل النبي، فأقيموا بمكة وحجوا إلى كربلاء وابكوا قتلاها ما استطعتم، وسيقتص الله من القوم الطاغين.
قال ذلك وقد تلجلج صوته، وكلهم يبكون ويعجبون، ثم توسد وتمطى وهو يقول: إني أتلقى الموت بالترحاب. وما أتم قوله حتى أسلم الروح.
فبكوه وهم في دهشة من أمره، ثم دفنوه في أصيل ذلك اليوم.
وبعد أيام رحلوا عن البلقاء، حتى أتوا مكة وفيها ابن الزبير ولا سلطان للأمويين فيها، فعقدوا لعبد الرحمن على سلمى، وعاشوا في هناء وسلام.
Halaman tidak diketahui