وسايرها يزيد في ذلك ترغيبا لها في خدمته، على أن ينال منها مرامه بعد سفره، واكتفى بأن يتمتع بمرأى ما ظهر من عينيها، فلما وقفت بين يديه أمرها أن تناوله بعض الفاكهة فقدمت له ما شاء وهو لا يبدي شيئا مما في نفسه مخافة أن تأبى الذهاب معه، ثم تظاهر بالرغبة في النعاس وقال: اسقيني كأسا من الماء المحلى بالعسل.
فقالت في نفسها: إني والله قاتلته بسلاحه، فتناولت الكأس وصبت فيها العسل وتظاهرت بإحضار ماء بارد فخرجت من الخيمة ويداها ترتعشان من عظم الاضطراب، وفكرت هنيهة في أمر السم الذي أعطاها إياه الشيخ الناسك، فرأت أنها إذا صبته كله ربما يظهر تأثيره عاجلا قبل أن تتمكن من الفرار فيقبضون عليها، فصبت جانبا منه في الماء ومزجته بالعسل وقدمته له، فتناوله وشربه إلى آخره وهو يريد أن ينام ليبكر في الرحيل ويخلو بالفتاة في حوران.
أما هي فلما تحققت أنه شرب الكأس خرجت من الخيمة، وسارت توا إلى الناسك فرأته واقفا في ظل الشجرة، فأشارت إليه إشارة فهم منها أنها أتمت مهمتها وتريد الفرار فقال: هيا بنا لا تخافي.
وتسلق الشجرة وعاد منها بصرة تأبطها، وأمسك سلمى بيده، ومضى بها في طريق لا يراهما أحد فيه، ولم تمض برهة حتى كانا قد بعدا من الدير وأصبحا في الصحراء، فوقف الشيخ وفتح الصرة فأخرج منها ثوبين من أثواب أهل البلقاء أعطى سلمى أحدهما فلبسته، ولبس هو الآخر، فأصبح من يراهما لا يشك في أنهما رجلان من أهل البلقاء، فعجبت سلمى لتأهب الشيخ الناسك وتحوطه، ولكنها ما زالت خائفة فقالت: أخشى أن يلحق بنا الجند فما العمل؟
قال: لا تخافي. اتبعيني والله المنجي، فسارت في أثره، وقضيا بقية الليل يلتمسان الطريق والناسك يرشدها كأنه يسير في ضوء النهار. •••
أصبحا في اليوم التالي فإذا هما بالقرب من بناء خرب تدل بقاياه على فخامة أصله لكبر أحجاره وسعة مساحته، فقالت سلمى: أين نحن يا مولاي؟
قال: إننا في البلقاء، وهذا صرح الغدير الذي يتغنى به الشعراء.
قالت: ألا يسكنه أحد الآن؟
قال: كلا فإنه من بناء الغساسنة، وكانوا عربا نصارى، فلما جاء المسلمون الشام وفتحوها دخلوا في حوزتهم، وكان القصر لبعض ملوكهم يقيمون فيه بعض السنة، وهو من بناء ثعلبة بن عمرو أحد أجدادهم، بناه منذ أربعة قرون، وقد درس كما درسوا، وسبحان الحي الباقي، ثم أشار عليها بالاستتار هناك بقية النهار، على أن يستأنفا المسير ليلا فقالت: والله لا أبالي إذا مات يزيد أن أموت أنا في أثره؛ إذ أكون قد قمت بالواجب وشفيت ما في نفسي ونجيت المسلمين من شر عظيم.
قال: إنه مائت لا محالة؛ لأن نصف ذلك السم كاف لقتله.
Halaman tidak diketahui