Futuhat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Penerbit
دار إحياء التراث العربي
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1418هـ- 1998م
Lokasi Penerbit
لبنان
ولولا العين لم يظهر لعقل . . . دليل واضح عند اللبيب أما قولنا وكم للعين من نظر مصيب فإنما جئنا به صنعه شعرية لما قلنا قبل في صدر البيت وإنما المذهب الصحيح أن العين لا تخطئ أبدا لا هي ولا جميع الحواس فإن ادراك الحواس الأشياء ادراك ذاتي ولا تؤثر العلل الظاهرة العارضة في الذاتيات وادراك العقل على قسمين ادراك ذاتي هو فيه كالحواس لا يخطئ وادراك غير ذاتي وهو مايدركه بالآلة التي هي الفكر بالآلة التي هي الحس فالخيال يقلد الحس فيما يعطيه والفكر ينظر في الخيال فيجد الأمور مفردات فيحب أن ينشئ منها صورة يحفظها العقل فينسب بعض المفردات إلى بعض فقد يخطئ في النسبة الأمر على ما هو عليه وقد يصيب فيحكم العقل على ذلك الحد فيخطئ ويصيب فالعقل مقلد ولهذا اتصف بالخطأ ولما رأت الصوفية خطأ النظار عدلوا إلى الطريقة التي لا لبس فيها ليأخذوا الأشياء عن عين اليقين ليتصفوا بالعلم اليقيني فإن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما جهله ولا يتصف باليقين ولهذا جاز أن يضاف العلم إلى اليقين وليس من أضافة الشئ إلى نفسه لا لفظا ولا معنى فأما اللفظ فإن لفظة اليقين ما هي لفظة العلم فجازت الإضافة ومن طريق المعنى أن اليقين عبارة عن استقرار العلم في النفس والإستقرار ما هو عين المستقر بل الإستقرار صفة للمستقر وهي حقيقة معنوية لا نفسية فليست عين نفس العلم فجازت الإضافة وإنما قلنا أن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما هو جاهل به فهو قوله تعالى فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم منالعلم أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ممن اهتدى فذكر اعلم في الصنفين إنما شرحنا بهذا الكلام ما قلناه في شعرنا فهو يتضمن شرح ما في هذا المنزل فلهذا أوردناه فلنرجع لي ما يعطيه هذا المنزل فنقول والله المؤيد اعلم أن من هذا المنزل تسبيح الحصى في كيف النبي صلى الله عليه وسلم ومن هذا المنزل أكله كتف الشارة ومن هذا المنزل حبه جبل أحد ومن هذا المنزل سلم عليه الحجر ومنه يشهد للمؤذن مدى صوته من رطب ويابس ومنه هرب الحجر بثوب موسى عليه السلام حتى أبصرت بنوا اسرائيل عورته بريئة مما نسبوا إليه فقال فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله زجيها ومنه قالت السموات والأرض لما تعلق بهما الأمر الإلهي أتينا طائعين ولما كان طلب حمل الأمانة عرضا لا امرا لهذا أبت القبول لعلمها أنها تقع في الخطر فلا تدري ما يؤل إليه أمرها في ذلك وحكم هذا المنزل في الشرع واسع فلنذكر بتأييد الله بعض ما يتضمنه هذا المنزل إن شاء الله تعالى فأول علم يتضمنه هذا المنزل علم الحركات المعقولة والمحسوسة فاعلم أن الحركات وهي المعاني التي تكون عنها الإنتقالات واختلف أصحابنا فيها هل هي ذوات موجودة في عينها أم هي نسب وهي عندنا نسب وهذه النسب تعطى من الأحكام بحسب ما تنتسب إليه فلها نسبة في المتخيزات تخالف نسبتها في غير المتحيزات ونسبة في الأجسام تخالف نسبتها في الجواهر وما من موجود إلا ولها فيه نسبة خاصة وإن كانت نسبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الباقي من الليل وهو موصوف سبحانه بأنه على عرشه مستو بالمعنى الذي أراده وهو سبحانه معكم أينما كنتم كما يليق به وهو أقرب من حبل الوريد إلينا وهو تعالى في العماء ما فوقه هواء وما تحته هواء فهذا كله بدلك على ما يراد بالإنتقالات فقد يكون ظهور حكم صفة على صفة وقد تكون الإنتقال من حال إلى حال وقد يكون من حيز إلى حيز وقد يكون من مكان إلى مكان وقد يكون من منزلة إلى منزلة فقد أعلمتك أن الإنتقال سار في جميع الموجودات على ما تستحقه ذواتها فتختلف كيفيات النسب وكله راجع إلى حكم الحركة ومن هذا الباب قوله تعالى سنفرغ لكم أية الثقلان وقوله ' كل يوم هو في شأن ' ثم لتعلم بعد أن قررنا هذا أن الحركة فيالمتحركات على قسمين طبيعية وهي كالنمو في الناميات وعرضية والعرضية اختيارية وغير الإختيارية لا توجد إلا في الحيوان وغير الإختيارية تكون في الحيوان وغيره وقسرية وهي التي يقع من غير المتحرك سواء اقتضاها طبعة أو لم يقتضيها طبعه فالجماد والنبات الحركة القسرية فيه لا يقتضيها طبعه وغير الجماد تكون فيه على خلاف ما يقتضيه اختياره وقد يكون المحرك من جنس المحرك وقد لا يكون وقد تكون الحركة قسرية عن حركة قسرية وقد تكون لا عن حركة قسرية فالأولى كتحريك الرياح الأغصان والثانية رمى الإنسان الحجر علوا في الهواء ويدق الكلام في هذه المسئلة ويخفي فإنها مسئلة عظيمة القدر وما هي من العقول ببال ولها تعلق بباب التولد مثل حركة الخاتم لحركة الأصبع وحركة الكلم لحركة اليد وللحركة سلطان عظيم حكمها مشهود في الأجسام ولوازمها ومعقول في المعاني وما لا يعرف حده فلها السريان الأتم في الموجودات وأول حكم لها في كل ما سوى الله خروج الأعيان وانتقالها من حالة العدم إلى حالة الوجود ولا يصح استقرار من موجود أصلا فإن الإستقرار سكون والسكون عدم الحركة فافهم وبعد أن تقرر هذا فإن الحركة التي في هذا المنزل التبس على الناس أمرها فما عرفوا هل هي طبيعية أو قسرية أو طبيعية قسرية أو طبيعية لا قسرية أو قسرية لا طبيعية وإنما تصور الخلاف ممن لم يشهد هذا المنزل ولا دخل فيه وهي عندنا حركة طبيعية اختيارية لأظهار اسرار عن أمر إلهي واختلفوا في السبب الموجب لهذه الحركة هل السبب سبب الحياة أو سببها عالم الأنفاس أو لا سبب لها إلا الأمر الإلهي فاعلم أن الأمر في ذلك وجود الأمر الإلهي في عالم الأنفاس فتوجه على هذا الكون فحركة فقبل الحركة بطبعه كتوجه الهواء على الأشجار ليحركها بهبةبه فالمشاهد يرى حركة الأغصان لهبوب الرياح والعلم يرى أنه لولا ما أدخلت الأغصان أحيازها لم تجد الرياح حيث تهب فلها الحكم فيها بوجه وليس لها الحكم فيها بوجه وكان المقصود من تحرك الهواء الأشجار إزالة الأبخرة الفاسدة عنها لئلا تودع فيها ما يوجب العلل والأمراض في العالم إذا تغذت به تلك الأشجار فيأكلها الحيوان أو تفسد هي في نفسها بتغذيتها بذلك فكان هبوب الرياح لمصالح العالم حيث يطرد الوخم عنه ويصفى الجو فتكون الحياة طيبة فالريح سبب مقصود غير مؤثر في مسببه وإنما الأثر في ذلك لناصب الأسباب وجاعلها حجابا عنه ليتبين الفضل بين الخلائق في المعرفة بالله ويتميز من أشرك ممن وحد فالمشرك جاهل على الإطلاق فإن الشركة في مثل هذا الأمر لا تصح بوجه من الوجوه فإن إيجاد الفعل لا يكون بالشركة ولهذا لم تلتحق المعتزلة بالمشركين فإنهم وحدوا أفعال العباد للعباد فما جعلوهم شركاء وإنما أضافوا الفعل إليهم عقلا وصدقهم الشرع في ذلك وإلا شاعرة وحدوا فعل الممكنات كلها من غير تقسيم لله عقلا وساعدهم الشرع على ذلك لكن ببعض محتملات وجوه ذلك الخطاب فكانت حجج المعتزلة فيه أقوى فيالظاهر وما ذهبت إليه إلا شاعرة في ذلك أقوى عند أهل الكشف من أهل الله وكلا الطائفتين صاحب توحيد والمشرك إنما جهلناه لكون الموجود لا يتصف إلا بإيجاد واحد والقدرة ليس لها في الأعيان إلا الإيجاد فلا يكون الموجود موجود بوجودين فلا يصح أن يكون الوجود عن تعلق قدرتين فإن كل واحد منهما إنما تعطى الوجود للموجود فإذا أعطته الواحدة منهما وجوده فما للأخرى فيه من أثر فبطل إذا حققت الشركة في الفعل ولهذا هو غير مؤثر في العقائد فالمشرك الخاسر المشروع مقته هو من أضاف ما يستحقه الإله إلى غير الله فعبده على أنه له فكأنه جعله شريكا في المرتبة كاشتراك السلطانين في نعنى السلطنة وإن كان هذا لا يحكم في ملك هذا ولكن كل واحد منهما سلطان حقيقة وبعد أن عرفت ما يتعلق من العلم بالحركة على قدر ما أعطاه الوقت من التعريف بذلك فلنبين من هذا المنزل لم وجدت هذه الحركة الخاصة فاعلم أنها وجدت لإظهار ما خفي في الغيب من الأخبار التي يثقل كونها على الخلق كما قال تعالى ' أنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ' وقال في شأن الساعة ثقلت في السموات والأرض وذلك أن الغيب إذا ثقل عليه الأمر وضاق عنه ولم يتسع له استراح على عالم الشهادة فتنفس الغيب تنفس الحامل المثقل فأبرز في عالم الشهادة ما كان ثقل عليه حمله وهو في المعنى كما يثقل على الإنسان كتم سره وحمل همه إذا لم يجد من يستريح عليه من اخوانه فإذا وجد أخا يبث إليه من همه الذي هو فيه وثقل عليه ما يجده في بئه له راحة بما أخذه منه صاحبه فكأنه قاسمه فيه فخف عليه فإن كان ما وقع له به الهم تحت قدرة من يبثه إليه من أخوانه فقضى حاجته أزال ذلك الثقل عنه بالكلية فمثل هذا هو الثقل الذي يكون في الغيب فيستريح على الشهادة وسبب ذلك كونه ليس له إنما هو أمانة عنده للشهادة وإذا كان المكلوب من ذلك الأمر الشهادة فإنما هو عند الغيب أمانة فيكون الغيب مكلفا بحفظها وأدائها في وقتها إلى الشهادة فبالضرورة يثقل عليه ألا ترى إلى قول الله تعالى ' إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحمنها وأشفق منها وحملها الإنسان ' أنه كان ظلوما يعني لنفسه جهولا يعني بقدرها فهي ثقيلة في المعنى وإن كانت خفيفة في التحمل فكانت السموات والأرض والجبال في هذه المسئلة اعلم من الإنسان ولم تكن في الحقيقة اعلم وإنما الإنسان لما كان مخلوقا على الصورة الإلهية وكان مجموع العالم اغتر بنفسه وبما أعطاه الله من القوة بما ذكرناه فهان عليه حملها ثم أنه رأى الحق قد أهله للخلافة من غير عرض عليه مقامها فتحقق أن الأهلية فيه موجودة ولم تقوا السموات على الإنفراد ولا الأرض على الإنفراد ولا الجبال على الإنفراد قوة جمعية الإنسان فلهذا أبين أن يحملنها وأشفق منها وما علم الإنسان ما يطرأ عليه من العوارض في حملها فسمى بذلك العارض خائنا فإنه مجبول على الطمع والكسل وما قبلها إلا من كونه عجولا فلو فسح الحق له في الزمان حتى يفكر في نفسه وينظر في ذاته وفي عوارضه لبان له قدر ما عرض عليه فكان يأبى ذلك كما أبته السماء وغيرها ممن عرضت عليه ولقد ورينا فيما رويناه عن الحسن البصري أن رجلا قدم من سفر فقصد دار الحسن فلما خرج إليه الحسن قال له أني قدمت من مدينة كذا وحملني فلان صديقك السلام عليك فهو يسلم عليك فقال له الحسن متى قدمت قال الساعة قال هل مشيت إلى بيتك قبل أن تأتيني قال لا هذا دخولي على حالتي إليك لأؤدي أمانتك قال يا هذا أما أنك لو مشيت إلى بيتك قبل أن تأتيني ومت مت خائنا فالعاقل من لا يعد ولا يحمل أمانة وحكم الأمانة إنما هي لمن توصل إليه لا لمن يحملك إياها قال تعالى ' إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولا شك ولا خفاء أنه في طبع كل شئ القلق مما يثقل عليه حتى يخرجه عنه لكونه ليس له ما ثقل عليه وإنما هو أمر زائد فإذا كان ذلك الأمر له زال ذلك الثقل وفرح به حيث صار ملكه وظهرت له سيادته عليه ألا ترى أن الإنسان إذا أودعت عنده ما لا كيف يجد ثقله عليه ويتكلف حفظه وصيانته فإذا قال له رب المال قد وهبته لك وأخرجته عن نلكي وخرجت عنه كيف يرجع حمل ذلك المال عنده خفيفا ويسر به سرورا عظيما ويعظم قدر ذلك الواهب في نفسه كذلك العبد أوصاف الحق عنده أمانة لا يزال العارف بكونها أمانة عنده تثقل عليه بمراقبة كيف يتصرف بها وأين يصرفها ويخاف أن يتصرف فيها تصرف الملاك فإذا ثقل عليه ذلك ردها إلى صاحبها وبقي ملتذا خفيفا بعبوديته التي هي ملك له بل هي حقيقته إذ الزائد عليه قد زال عنه وحصل له الثناء الإلهي بأداء أمانته سالمة فقد أفلح من لم يتعد قدره كما يقال في المثل ماهلك امرؤ عرف قدره ومن هذا المنزل يعلم متعلق الإستفهام حيث كان وذلك أن الإستفهام لا يكون إلا مع عدم العلم في نفس الأمر أو مع اظهار عدم العلم لتقرير المستفهم من استفهمه على ما استفهمه مع علم المستفهم بذلك فيقول المستفهم أي شئ عندك ومالك ضربت فلانا فعله الإستفهام عن الأمور عدم العلم والباعث على الإستفهام يختلف باختلاف المستفهم فإن كان عالما بما استفهم عنه فالمقصود به اعلام الغير حيث ظنوا وقالوا خلاف ما هو الأمر عليه مثل قوله تعالى لعيسى عليه السلام ' أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ' بحضور من نسب إليه ذلك من العابدين له من النصارى فتبرأ عيسى بحضورهم من هذه النسبة فيقول سبحانك مايكون لي أن أقول ما ليس لي بحق فكان المقصود توبيخ من عبده من أمته وجعله إلها فقد وقع في الصورة صورة الإستفهام وهو في الحقيقة توبيخ ومثل هذا في صناعة العربية إذا أعربوا في الإصطلاح يعربونه همزة تقرير وانكار لا استفهام وإن قالوا فيه همزة استفهام والمراد به الإنكار فلهم في اعراب مثل هذا طريقتان فينبغي للعبد أن لا يظهر بصفة تؤديه إلى أن يستفهم عنه فيها ربه لما تعطيه رائحة الأستفهام في المستفهم من نفي العلم وذلك الجناب مقدس منزه عن هذا فأحذر من هذا المقام ولا تعصم من مثل هذا ألا بأن تكون عبوديتك حاكمة عليك ظاهرة فيك على كل حال فإن أستفهمك الحق عن شيء فيكون ذلك أبتداء منه لا سبب لك فيه وهو سبحانه لا يحكم عليه شيء فإنه أن شاء أستفهم وأن شاء لم يستفهم مع نسبة العلم إليه تعالى فيما يستفهم عنه لا بد من ذلك وللأستفهام أدوات مثل ما وأي والهمزة فيخص هذا المنزل من الأدوات بما خاصة دون من وغيرها من الأدوات ليس لغيرها من أدوات الأستفهام في هذا المنزل دخول وما وقفت إلى الآن على سبب أختصاص هذا المنزل بها دون غيرها وهي في الحكم فيمن تدخل عليه حكم من والهمزة فإنها تدخل على الاسماء والأفعال والحروف وما ثم ألا هذه الثلاث مراتب فعمت فكان لهذا المنزل عموم الأستفهام ولا يصح أن يظهر في هذا المنزل على هذه الحالة ألا أداة ما لأن معانيه تطلبها وقد يستفهم بالأشارة ومن هذا المنزل أفشاء الأسرار وخفي الغيوب لطلب المواطن لها فيعلم الأنسان من هذا المنزل المواطن التي ينبغي أن يبدي فيها مما عنده من الغيوب ويعرف أن موطن الدنيا لا يقتضي ذلك ولهذا لم يظهر من ذلك على الملامية شيء وأعني بالغيوب هنا كل غيب لا يطلبه الموطن وأما الغيوب التي يطلبها كل موطن فلا بد أن يخرج غيب كل موطن في موطنه إلى الشهادة وهذا حال الملامية ألا أن يقترن بأبراز ذلك أمر إلهي ولا يقترن به أمر قط ألا أن يطلبه حال ما من الأحوال وأما من غير حال تطلبه فلا ولهذا جهل الناس مقادير أهل الله تعالى عند الله وبهذا سموا أمناء فإذا أقتضى الموطن أبراز غيبه فالعارف أول من يبادر إلى ذلك ويسارع فيه وأن لم يفعل كان غاشا خائنا لا يصلح لشيء فإن سبق بأظهاره غيره تعين عليه ذلك الوقت أخفاؤه وأن لا يطلع أحد من الخلق على ما عنده فيه أذ قد ناب غيره فيه منابه فلم يبق لهذا العارف في أظهار ذلك منه ألا حظ نفس لا غير وهذا ليس من شأن خصائص الحق وأهله فإن جاءه وحي من الله بذلك مع أنه قد ظهر على يد غيره فليبادر لأمر الله فيه وليظهره ويكون فيه كالمؤيد للأول وأعلم أنه ما من جنس من أجناس المخلوقين ألا وقد أوحى إليه من ملك وجن وأنسان وحيوان ونبات وجماد فذكر من الحيوان النحل ومن الجماد السماء والأرض وأن كان الكل عندنا أحياء ولكن نجري على المعهود المتعارف في الحس الغالب وقال تعالى ' وأن من شيء ألا يسبح بحمده ' وقال ' وأن من أمة ألا خلا فيها نذير ' وقال ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وقال ' لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لننزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ' وقال ' وما أرسلنا من رسول ألا بلسان قومه ' أي بلحنهم والوحي على ضروب شتى ويتضمنه هذا المنزل فمنه ما يكون متلقي بالخيال كالمبشرات في عالم الخيال وهو الوحي في النوم فالمتلقي خيال والنازل كذلك والوحي كذلك ومنه ما يكون خيالا في حس على ذي حس ومنه ما يكون معنى يجده الموحي إليه في نفسه من غير تعلق حس ولا خيال بمن نزل به وقد يكون كتابة ويقع كثيرا للأولياء وبه كان يوحى لأبي عبد الله قضيب البان ولأبي زكريا يا البجائي بالمعرة بدير النقرة ولبقي بن مخلد تلميذ أحمد بن حنبل صاحب المسند ولكن كان أضعف الجماعة في ذلك فكان لا يجده ألا بعد القيام من النوم مكتوبا في ورقة ومما يتضمن هذا المنزل خلق الأعراض صورا ذوات قائمة متحيزة في رأي العين فاعلم أن الأنسان إذا جاء الله به إليه جمعه عليه جمعية لا تفرقة فيها حتى يهبه الله تعالى في ذلك ما يريد أن يهبه مما سبق في علمه فإذا خرج عن ذلك المشهد وعن تلك الحالة حرج بما حصل له وكان قد حصل له أمرا كليا مجملا غير مفصل فيبدو له عند الخروج مفصل الأعيان لكل جزء منه صورة تخصه فيخرج عن حال جمعيته إلى حال تفرقته فتبادر صور الأعمال إليه دفعة واحدة وتتعلق كل صورة منها بمن كان أصلا في وجودها فأماله وأما عليه فتتعلق بعينه صور نظره وبأذنه صور تعلق سمعه وكذلك سائر حواسه في ظاهره ويتعلق بباطنه صور أعمال باطنه من أعمال فكره وخياله وسائر قواه الباطنة فيه فإن كانت الصور العملية توجب فرحا فرح بذلك وبضده وأن كانت صور الأعمال توجب حزنا وغما كان الأنسان بحسب ما توجبه الصورة فإن كان من صورة ما يوجب هذا ويوجب هذا كان فرح الجزء الذي له صورة العمل المفرح فرحا من حيثيته لا من حيث النفس المكلفة فيتنعم ذلك الجزء الأنساني بقدر ذلك ويحزن الجزء الآخر بصورة عمله أيضا والنفس في هذه الحالة تفرح بحكم التبعية لفرح هذا وتحزن بحكم التبعية لحزن هذا في حال واحدة بأقبالين مختلفين كما كانت تسمع في حال النظر في حال البطش في حال السعي في حال اللمس في حال الشم في حال الطعم ولا يشغلها واحد عن الباقي مع أحدية المدرك كذلك ينعم من طريق ويحزن من طريق فهو الفرح المحزون وهو الرابح المغبون إلى أن يدخل الجنة وهذا من أعجب المشاهد وقليل واجده في هذه الدار من أهل الطريق لعدم كشفهم وتحققهم وقلة علمهم بذلك والله يقول الحق وهو يهدي السبيلقي مع أحدية المدرك كذلك ينعم من طريق ويحزن من طريق فهو الفرح المحزون وهو الرابح المغبون إلى أن يدخل الجنة وهذا من أعجب المشاهد وقليل واجده في هذه الدار من أهل الطريق لعدم كشفهم وتحققهم وقلة علمهم بذلك والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب السادس والثمانون ومائتان في معرفة منزل من قيل له كن فأبى فلم
يكن من الحضرة المحمدية
شمس الفناء بدت في كاف تكويني . . . لعلمها أنها بالنور تفنيني
وقد أشارت ولم أعلم أشارتها . . . بأن في ذلك الإيماء تعنيني
فكنت واو العين العلم ظاهرة . . . خفية العين بين الكاف والنون
Halaman 620