849

Futuhat Makkiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Penerbit

دار إحياء التراث العربي

Edisi

الأولى

Tahun Penerbitan

1418هـ- 1998م

Lokasi Penerbit

لبنان

Wilayah-wilayah
Syria
Empayar & Era
Ayyubid

يقول كعادته فمن كمانت عادته في خلق الله ما عودهم الله من لطائف مننه وأسبغ عليهم من جزيل نعمه وأعطف بعضهم على بعض فلم يظهر في العالم غضب لا تشوبه رحمة ولا عداوة لا تتخللها مودة فذلك يستحق إسم الخلة لقيامه بحقها واستيفائه شروطها لو لم يكن من عظيم الرجاء في شمول الرحمة إلا في قوله ' الرحمن على العرش استوى ' فإذا استقرت الرحمة في العرش الحاوي على جميع أجسام العالم فكل ما يناقضها أو يريد رفعها من الاسماء والصفات فعوارض لا أصل لها في البقاء لأن الحكم للمستولى وهو الرحمن فإليه يرجع الأمر كله فابحث على صفات إبراهيم عليه السلام وقم بها عسى الله أنيرزقك بركته فإنه بالخلة قام بها ما هي أوجبت له الخلة فلهذا دللناك على التخلق بأخلاق الله وقد قال صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ومعنى هذا أنه لما قسمت الأخلاق إلى مكارم وإلى سفساف وظهرت مكارم الأخلاق كلها في الشرائع على الأنبياء والرسل وتبين سفسافها من مكارمها عند الجميع وما في العالم على ما يقوم عليه الدليل ويعطيه الكشف والمعرفة إلا أخلاق الله فكلها مكارم فما ثم سفساف أخلاق فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلمة الجامعة إلى الناس كافة وأوتى جوامع الكلم وكل نبي تقدمه على شرع خاص فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق لأنها أخلاق الله فالحق ما قيل فيه أنه سفساف أخلاق بمكارم الأخلاق فصار الكل مكارم أخلاق فما ترك صلى الله عليه وسلم في العالم سفساف أخلاق جملة واحدة لمن عرف مقصد الشرع فأبان لنا مصارف لهذا المسمى سفساف أخلاق من حرص وحسد وشره وبخل وفزع وكل صفة مذمومة فأعطانا لها مصارف إذا أجريناها على تلك المصارف عادت مكارم أخلاق وزال عنها إسم الذم وكانت محمودة فتمم الله به مكارم الأخلاق فلا ضد له كما أنه لا ضد للحق وكل ما في الكون أخلاقه فكلها مكارم ولكن لا تعرف وما أمر الله باجتناب ما يجتنب منها إلا لاعتقادهم فيها أنها سفساف أخلاق وأوحى إلى نبيه أن يبين مصارفها ليتنبهوا فمنا منعلم ومنا من جهل فهذا معنى قوله أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق وبه كان خاتما

الباب الثمانون ومائة في معرفة مقام الشرق والاشتياق وهو من نعوت

المحبين العشاق

شوق بتحصيل الوصال يزول . . . والإشتياق مع الوصال يكون

إن التخيل للفراق يديمه . . . عند اللقاء فربه مغبون

من قال هون صعبه قلنا له . . . ما كان صعب في الوجود يهون

هو من صفات العشق لا من غيره . . . والعشق داء في القلوب دفين

ما حكم هذا النعت إلا ههنا . . . وهناك يذهب عينه ويبين

يقول بعض العشاق

فبكى أن نأوا شوقا إليهم . . . وأبكى أن دنوا خوف الفراق

الشوق يسكن باللقاء فإنه هبوب القلب إلى غائب فإذا ورد سكن والإشتياق حركة يجيدها المحب عند اجتماعه بمحبوبه فرحا به لا يقدر يبلغ غاية وجده فيه فلو بلغ سكن لأنه لا يشبع منه فإن الحس لا يفي بما يقوم في النفس من تعلقها بالمحبوب فهو كشارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا قال عليه السلام منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا من حيث ما هو محب في تحصيل كل واحد منهما وما للعلم غاية ينتهي إليها فلهذا لا يشبع وكذلك الدنيا فإنها مشتهى النفوس والشهوة تطلبها وقد تجلى ذلك المشتهى في صورة قريبة تسمى دنيا فتعلقت الشهوة بها ثم تنتقل إلى الآخرة في الجنة فتتبعها الشهوة فلا تشبع أبدا لأنها صورة لا ينتهي أمدها ولولا الشهوة ما طابت الجنة فالشوق ما سكن والاشتياق ما بقي ولنا في هذا الباب

ليس يصفو عيش من ذاق الهوى . . . دون أن يلقى الذي يعشقه

فإذا أبصره يسكنه . . . ذلك المعني الذي يقلقه

وهو معنى حكمه مختلف . . . عند من يعرف ما أطلقه ولما كان الحب لا يتعلق إلا بمعدوم كما قدمناه في باب المحبة كذلك الشوق لا يصح أن يتعلق بحاضر وإنما متعلقه غائب غير مشهود له في الحال ولذا كان الشوق من أوصاف المحبة ولهذا يطرد وينعكس فيقال كل محب مشتاق وكل مشتاق محب ومن ليس بمشتاق فليس بمحب ومن ليس بمحب فليس بمشتاق وقد ورد خبر ليس لي علم بصحته أن الله عز تعالى ذكر المشتاقين إليه وقال عن نفسه أنه أشد شوقا إليهم كما يليق بجلاله فشوقه إليهم أن ينيلهم الراحة بلقاء من اشتاقوا إليه والوقت المقدر الذي لا يتبدل لم يصل فلا بد من تأخر وجود ما وقع الشوق الألهي إليه هذا إن صح الخبر ولا علم لي به لا من الكشف ولا من رواية صحيحة إلا أنه مذكور مشهور وقد اتصفت الجنة بالإشتياق إلى علي وسليمان وعمار وبلال وتكلم الناس في ذلك من حيث إشتياق أسماء هؤلاء من العلو والسلامة والعمران والاستبلال ولكن ما هو محقق فإن الشوق أمر ذوقي ولو خطر لي هذا الخبر حين رأيت الجنة لسألتها عن شوقها لهؤلاء دون غيرهم فإنها أعرف بالسبب الذي أداها إلى الشوق لهؤلاء الأربعة وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم قد رأيته مرارا وسألته عن أشياء وما خطر لي أن أسأله عن شوق الجنة لهؤلاء بل شغلني ما كان أهم على منه والشوق علم ذوق يعرفه كل مشتاق من نفسه

Halaman 358