834

Futuhat Makkiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Penerbit

دار إحياء التراث العربي

Edisi

الأولى

Tahun Penerbitan

1418هـ- 1998م

Lokasi Penerbit

لبنان

Wilayah-wilayah
Syria
Empayar & Era
Ayyubid

فقد وجب الشكر لله إذ . . . هي البكر لي وأنا الثيب لأن المحبوب وجد عند عدم فهو بكر وقد كنت أحببت قبل ذلك فإنا ثيب فإذا كان المحبوب الذي هو المعدوم إذا وجد لا يوجد في موجود يتصف هذا المحب بأنه يريده له فيحبه لنفسه بالضرورة كالحب الطبيعي فإذا كان المحبوب لا يوجد إلا في موجود متصف بالإرادة كالحق تعالى أو جارية أو غلام وما ثم من يتعلق به حب المحب إلا من ذكرناه فحينئذ يصح أن يحب مايحب هذا المحب إذ كان ذلكالموجود ما هو عين المحبوب وإنما هو محل لوجود ذلك المحبوب وليس في قوة المحب إيجاد ذلك المحبوب في هذا الموجود إلا أن أمكنه من نفسه وإما أن كان المحبوب ممن لا يكون وجوده في موجود فلا يتمكن له إيجاد المحبوب البتة إلا أن تقوم من الحق به عناية فيعطيه التكوين كعيسى عليه السلام ومن شاء الله من عباده فإذا أعطى هذا فبالضرورة يحمله الحب على إيجاد محبوبه وهذه مسألة لا تجدها محققة على ما ذكرناه فيها في غير هذا الكتاب لأني ما رأيت أحدا حقق فبها ما ذكرناه وإن كان المحبون كثيرين بل كل من في الوجود محب ولكن لا يعرف متعلق حبه وينحجبون بالموجود الذي يوجد محبوبه فيه فيتخيلون أن ذلك الموجود محبوبهم وهو على الحقيقة بحكم التبعية فعلى الحقيقة لا يحب أحد محبوبا لنفس المحبوب وإنما يحبه لنفسه هذا هو التحقيق فإن المعدوم لا يتصف بالإرادة فيحبه المحب له ويترك إرادته لأرادة محبوبه ولما لم يكن الأمر في نفسه على هذا لم يبق إلا أن يحبه لنفسه فافهم فهذا هو الحب الروحاني المجرد عن الصورة الطبيعية فإن تلبس بها وظهر فيها كما قلنا في الحب الإلهي وهو في الروحاني أقرب نسبة لأنه على كل حال صورة من صور العالم وإن كان فوق الطبيعة فاعلم أنه إذا قبل الروح الصورة الطبيعية في الأجساد المتخيلة لا في الأجسام المحسوسة التي جرت العادة بإداراكها فإن الأجساد المتخيلة أيضا معتادة الإدراك لكن ما كل من يشهدها يفرق بينها وبين الأجسام الحقيقية عندهم ولهذا لم يعرف الصحابة جبريل حين نزل في صورة اعرابي وما علمت أن ذلك جسد متخيل حتى عرفهم النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم هذا جبريل ولم يقم بنفسهم شك أنه عربي وكذلك مريم حين تمثل لها الملك بشرا سويا لأنه ما كانت عندها علامة في الأرواح إذا تجسدت وكذا يظهر الحق لعباده يوم القيامة فيتعوذون منه لعدم معرفتهم به فكان الحكم في الجناب الإلهي والروحاني في الصور سواء فيحق المتجلي له من الجهل به فلا بد لمن اعتنى الله به من علامة بها يعرف تجليك الحق من تجلي الملك من تجلي الجانمن تجلي البشر إذا أعطوا قوة الظهور في الصور كقضيب البان وأمثاله فإذا كان البشر بهذه النشأة الترابية العنصرية له قوة التحول في الصور في عين الرائي وهو على صورته فهذا التحول في الأرواح أقرب فاعلم من ترى وبما ترى وما هو الأمر عليه وقد بينا ذلك في باب المعرفة في علم الخيال فإنظره هناك فإذا تجلى الروح في صورة طبيعية مثنى الحكم عليها كما ذكرناه في الحب الإلهي سواء من حيث قبول تلك الصورة للظاهر والباطن لا تعدل عن ذلك المجرى فاعلم ذلك فيجمع الروحاني بين الحب الطبيعي والروحاني وبين الحب لنفسه ولمحبوبه إن كان محبوبه كما قلنا ذا إرادة وتبين لك بما قررناه أن الناس لا يعروفون ما يحبون وإنه يندرج محبوبهم في موجود ما فيتخيلون أنهم يحبون ذلك الموجود وليس كذلك فاعلم قدر ما أعلمتك به واشكر الله حيث خلصك من الجهل بي وهذا القدر كاف في الغرض المقصود فإن فيه تفاريع كثيرة وغرضنا في هذا الكتاب تحصيل الأصول والحمد لله الوصل الثالث في الحب الطبيعي وهو نوعان طبيعي زعنصري ونسينا أن تذكر غاية الحب الروحاني فلنذكره في الحب الطبيعي لتعلقه بالصورة الطبيعية فغايته الإتحاد وهو أن تصير ذات المحبوب عين ذات المحب وذات المحب عين ذات المحبوب وهو الذي تشير إليه الحلولية ولا علم لها بصورة الأمر فالعلم أن الصورة الطبيعية على أي حال كان ظهورها كسما أو جسدا بأي نسبة كانت فإن المحبوب الذي هو المعدوم وإن كان معدوما فإنه ممثل في الخيال فله ضرب من ضروب الوجود المدرك بالبصر الهيالي في الحضرة الخيالية بالعين الذي تليق بها فإذا تعانق الحبيبان وامتص كل واحد منهما ريق صاحبه وتحلل ذلك الريق في ذات كل واحد من الحبيبين وتنفس كل واحد من الصورتين عند التقبيل والعناق فخرج نفس هذا فدخل في جوف هذا ونفس هذا في جوف هذا وليس الروح الحيواني في الصور الطبيعية سوى ذلك النفس وكل نفس فهو روح كل واحد من المتنفسين وفدحي به من قبله في حال التنفس والتقبيل فصار كا كان روحا لزيد هو بعينه يكون روحا لعمر وقد كان ذلك النفس خرج من محب فتشكل بصورة حب فصحبته لذة المحبة فلما صار روحا في هذا الذي انتقل إليه وصار نفس الآخر روحا في هذا الآخر عبر عن ذلك بالإتحاد في حق كل واحد من الشخصين وصح له أن يقول أنا من أهوى ومن أهوى أنا وهذا غاية الحب الروحاني في الصور الطبيعية وهو قةله في القصيدة في أول هذا الباب روحا بروح وجثمانا بجثمان ثم نرجع إلى الحب الطبيعي فنقول أن الحب الطبيعي هو العام فإن كل ما تقدم من الحب في الموصوفين به قبلوا الصور الطبيعية على ما تعطيه حقائقهم فاتصفوا في حبهم بما تتصف به الصور الطبيعية من الوجد والشوق والإشتياق وحب اللقاء بالمحبوب ورؤيته والإتصال به وقد وردت أخبار كثيرة صحاح في ذلك يجب الايمان بها مثل قوله من أحب لقاء الله أحب الله لقاء مع كونه ما زال من عينه ولا يصح أن يزول عن عينه فإنه على كل شئ شهيد ورقيب ومع هذا فجاء باللقاء في حقه وفي حق عبده ووصف نفسه بالشوق إلى عباده وأنه أشد فرحا ومحبة في توبة عبده من الذي ضلت راجته عليها طعامه وشرابه في أرض دوية ثم يجدها بعد ما يئس من الحياة وأيقن بالموت فكيف يكون فرحه بها بها فالله أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الشخص براحلته مع غناه سبحانه وقدرته ونفوذ ارادته في عباده ولكن انظر في سرقوله أعطى كل شئ خلقه فتعلم أنه ما تعدى بالأمور استحقاقها وإن مرتبة العلم ما فوقها مرتبة وقد قال ' ما يبدل القول لدي ' لأنه خلاف المعلوم فوقوعه محال فالأمر وإن كان ممكنا بالنظر إليه فليس بممكن بالنظر إلى علم الله فيه بوقوع أحد الإمكانين وأحدية المشيئة فيه وما تعلقت المشيئة فيه وما تعلقت المشيئة الإلهية بكون فلا بد من كونه وما لا بد من وقوعه لا يتصف بالإمكان بالنظر إلى هذه الحقيقة ولهذا عدل من عدل من الناظرين في هذا الشأن من إطلاق إسم الممكن عليه إلى إسم الواجب الوجود بالغيرة وهو أولى في التحقيق لأحدية المشيئة ولهذا قال ولو شاء حيث ما قاله ولو حرف امتناع لامنتناع فقد سبقت المشيئة بما سبقت كما قال ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين فكان إسم وجوب الوجود بالغير أكمل في نسبة الأمر من إسم الممكن إذ ما ثم إلا أمر واحد كلمح بالبصر فزال الإحتمال فزال الإمكان فما ثم الإوجوب مطلق أو وجوب مقيد ثم نرجع ونقول اعلم أن الحب الطبيعي من ذاته إذا قام بالمحب أن لا يحب المحبوب إلا لما له فيه من النعيم به واللذة فيحبه لنفسه لا لعين المحبوب وقد تبين لك فيما تقدم أن هذه الحقيقة سارية في الحب الإلهي والروحاني فأما بدء الحب الطبيعي فما هو الأنعام والإحسان فإن الطبع لا يعرف ذلك جملة واحدة وإنما يحب الأشياء لذاته خاصة فيريد الإتصال بها والدنو منها وهو سار في كل حيوان وهو في الإنسان بما هو حيوان فيحبه الحيوان في نفس الأمر لقوام وجوده به لا لأمر آخر ولكن لا يعرف معنى قوام وجوده وإنما يجد داعية من نفسه للإتصال بموجود معين ذلك الإتصال هو محبوبه بالإصالة وذلك لا يكون إلا في موجود معين فيحب ذلك الوجود بحكم التبعية لا بالإصالة فاتصاله اتصال محسوس وقرب محسوس وهو قولنا وجثمانا يجثمان فهذا هو غاية الحب الطبيعي فإن كان نكاحا عين محبوبه في موجود ما فغايته حصول ذلك المحبوب في الوجود فيطلب ويشتاق للمحل الذي يظهر فيه عين محبوبه ولا يظهر إلا بينهما لا في واحد منهما لأنها نسبة بين اثنين وكذلك أن عناقا أو تقبيلا أو مؤانسة أو ما كان ولا فرق بين أن تقول طبيعة الشئ أو حقيقته كل ذلك سائغ في العبارة عنه وهو في الإنسان أتم من غيره لأنه جامع حقائق العالم والصورة الإلهية فله نسبة إلىالجناب الأقدس فإنه عنه ظهر وعن قوله كن تكون وله نسبة إلى الأرواح بروحه وإلى عالم الطبيعة والعناصر بجسمه من حيث نشأته فهو يحب كل ما تطلبه العناصر والطبيعة بذاته وليس الأعالم الأجسام والأجساد والأرواح ومنها أجساد عنصرية وكل جسم عنصري فهو طبيعي ومنها أجسام طبيعية غير عنصرية فما كل جسم طبيعي عنصري فالعناصر من الأجسام الطبيعية لا يقال فيها عنصرية وكذلك الأفلاك والأملاك ولهذا عرفنا أن الملا الأعلى يختصمون فيدخلون في قوله تعالى ' ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ' وهم يخالفةن هؤلاء المرحومين مخالفتهم ولذلك خلقهم أي من أجل الخلاف خلقهم لأن الاسماء الإلهية متفاضلة فمن هناك صدر الخلاف أين الضار من النافع والمعز من المذل والقابض من الباسط وأين الحرارة من البرودة وأين الرطوبة من اليبوسة وأين النور من الظلمة وأين العدم من الوجود وأين النار من الماء وأين الصفراء من البلغم وأين الحركة من السكون وأين العبودية من الربوبية أليست هذه نتقابلات فلا يزالون مختلفين وأين التحليل من التحريم في العين الواحدة للشخصين فيحرم على هذا ما يحل لهذا فيتوارد حكمان مختلفإن على عين واحدة فإنظر حكم الطبيعة المتادة من أين صدرت وما كان سبب وجودها متقابلة من العلم الإلهي لتعلموا أنه ليس بيد أحد من المخلوقين مما سوى الله من الأمر شئ لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى أن الآخرة ذات دارين رؤية وحجاب فالحمد لله الذي أبان لنا عن الأمور ومصادرها ومواردها وجعلنا منالعارفين بها فالله يجعلنا ممن أسعده بما علمه فقد تبين لك أن المحبوب هو الإتصال بموجود ما من كثيرين أو قليلين ومع كونه مؤانسة ومجالسة وتقبيلا وعناقا وغير ذلك بحسب ما تقتضيه حقيقة الموجود فيه عين المحبوب وبحسب حقيقة المحب فالمحبوب واحد العين متنوع وهو حب الإتصال خاصة أما بحديث أو ضم أو تقبيل هذا تنوعه في واحد أو كثيرين فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلا لأن القلب لا يسعهما فإن قلت هذا يمكن أنيصح في حب المخلوقين وأما في حب الخالق فلا فإنه قال يحبهم فأحب كثيرين قلنا الحب معقول المعنى وإن كان لا يحد فهو مدرك بالذوق غير مجهول ولكن عزيز التصور وهو مجهول النسبة إلى الله تعالى فإن الله ليس كمثله شئ فقولك وأما في حب الحق فلا هذا تحكم منك فإنه لا يقول هذا إلا من يعرف ذات الحق وهي لا تعرف فلا تعرف النسبة ةتعرف المحبة فإنه ما خاطب عباده إلا بلسانهموبما يعرفونه في لحتهم من كل ما ينسبه إلى نفسه ووصف أنه عليه ولكن كيفية ذلك مجهولةي يظهر فيه عين محبوبه ولا يظهر إلا بينهما لا في واحد منهما لأنها نسبة بين اثنين وكذلك أن عناقا أو تقبيلا أو مؤانسة أو ما كان ولا فرق بين أن تقول طبيعة الشئ أو حقيقته كل ذلك سائغ في العبارة عنه وهو في الإنسان أتم من غيره لأنه جامع حقائق العالم والصورة الإلهية فله نسبة إلىالجناب الأقدس فإنه عنه ظهر وعن قوله كن تكون وله نسبة إلى الأرواح بروحه وإلى عالم الطبيعة والعناصر بجسمه من حيث نشأته فهو يحب كل ما تطلبه العناصر والطبيعة بذاته وليس الأعالم الأجسام والأجساد والأرواح ومنها أجساد عنصرية وكل جسم عنصري فهو طبيعي ومنها أجسام طبيعية غير عنصرية فما كل جسم طبيعي عنصري فالعناصر من الأجسام الطبيعية لا يقال فيها عنصرية وكذلك الأفلاك والأملاك ولهذا عرفنا أن الملا الأعلى يختصمون فيدخلون في قوله تعالى ' ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ' وهم يخالفةن هؤلاء المرحومين مخالفتهم ولذلك خلقهم أي من أجل الخلاف خلقهم لأن الاسماء الإلهية متفاضلة فمن هناك صدر الخلاف أين الضار من النافع والمعز من المذل والقابض من الباسط وأين الحرارة من البرودة وأين الرطوبة من اليبوسة وأين النور من الظلمة وأين العدم من الوجود وأين النار من الماء وأين الصفراء من البلغم وأين الحركة من السكون وأين العبودية من الربوبية أليست هذه نتقابلات فلا يزالون مختلفين وأين التحليل من التحريم في العين الواحدة للشخصين فيحرم على هذا ما يحل لهذا فيتوارد حكمان مختلفإن على عين واحدة فإنظر حكم الطبيعة المتادة من أين صدرت وما كان سبب وجودها متقابلة من العلم الإلهي لتعلموا أنه ليس بيد أحد من المخلوقين مما سوى الله من الأمر شئ لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى أن الآخرة ذات دارين رؤية وحجاب فالحمد لله الذي أبان لنا عن الأمور ومصادرها ومواردها وجعلنا منالعارفين بها فالله يجعلنا ممن أسعده بما علمه فقد تبين لك أن المحبوب هو الإتصال بموجود ما من كثيرين أو قليلين ومع كونه مؤانسة ومجالسة وتقبيلا وعناقا وغير ذلك بحسب ما تقتضيه حقيقة الموجود فيه عين المحبوب وبحسب حقيقة المحب فالمحبوب واحد العين متنوع وهو حب الإتصال خاصة أما بحديث أو ضم أو تقبيل هذا تنوعه في واحد أو كثيرين فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلا لأن القلب لا يسعهما فإن قلت هذا يمكن أنيصح في حب المخلوقين وأما في حب الخالق فلا فإنه قال يحبهم فأحب كثيرين قلنا الحب معقول المعنى وإن كان لا يحد فهو مدرك بالذوق غير مجهول ولكن عزيز التصور وهو مجهول النسبة إلى الله تعالى فإن الله ليس كمثله شئ فقولك وأما في حب الحق فلا هذا تحكم منك فإنه لا يقول هذا إلا من يعرف ذات الحق وهي لا تعرف فلا تعرف النسبة ةتعرف المحبة فإنه ما خاطب عباده إلا بلسانهموبما يعرفونه في لحتهم من كل ما ينسبه إلى نفسه ووصف أنه عليه ولكن كيفية ذلك مجهولة وصل وأما القسم الثاني وهو الحب العنصري فهو وإن كان طبيعيا فبين القسمين فارق وذلك أن الطبيعي لا يتقيد بصورة طبيعية دون صورة طبيعية وهو مع كل صورة كما هو مع الأخرى في الحب مثل الكهرباء مع ما يتلق بها ومسكه بالخاصية وأما العنصري فهو الذي يتقيد بصور طبيعية وحدها كقيس ليلى وقيس ولبنى وكثير عزة وجميل بثينة ولا يكون هذا إلا العموم المناسبة بينهما كمغاطيس الحديد ويشبهه في الحب الروحاني ومامنا الإله مقام معلوم ويشبهه من الحب الإلهي التقييد بعقيد واحدة دون غيرها كما يشبه الروحاني الطبيعي في الطهارة ويشبه الإلهي الطبيعي في الذي يراه في جميع العقائد عينا واحد واعلم أن الحب كما قلناه وإن كان له أربعة ألقاب فلكل لقب حال فيه ما هو عين الآخر فلنبين ذلك كله فمن ذلك الهوى ويقال على نوعين وهما في الحب النوع الواحد سقوطه في القلب وهو ظهوره من الغيب إلى الشهادة القلب يقال هوى النجم إذا سقط يقول تعالى ' والنجم إذا هوى ' فهو من أسماء الحب في ذلك الحال والفعل منه هوى يهوى بكسر عين الفعل في الماضي وفتحها في المستقبل والاسم منه هوى وهو الهوى وهذا الاسم هو الفعل الماضي من الهوى الذي هو السقوط يقال هوى بفتح عين الفعل في الماضي يهوى بكسرها في المستقبل والاسم منه هوى وسبب حصول المعنى الذي هو الهوى في القلب أحد ثلاثة أشياء أو بعضها أو كلها أما نظرة أو سماع أو أحسان وأعظمها النظر وهو أثبتها فإنه لا يتغير باللقاء والسماع ليس كذلك فإنه يتغير باللقاء فإنه يبعد أن يطابق ما صوره الخيال بالسماع صورة المذكور وأما حب الأحسان فمعلول تزيله الغفلة مع دوام الأحسان لكون عين المحسن غير مشهودة وأما الهوى الثاني فلا يكون ألا مع وجود حكم الشريعة وهو قوله لداودا حكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى يعني لا تتبع محابك بل أتبع محابي وهو الحكم بما رسمته لك ثم قال ' فيضلك عن سبيل الله ' أي يحيرك ويتلفك ويعمى عليك السبيل الذي شرعته لك وطلبت منك المشي عليه وهو الحكم به فالهوى هنا محاب الأنسان فأمره الحق بترك محابه إذا وافق غير الطريق المشروعة له فإن قلت فقد نهاه عما لا يصح أن ينتهي عنه فإن الحب الذي هو الهوى سلطانه قوى ولا وجود لعين العقل معه قلنا ما كلفه أزالة الهوى فإنه لا يزول ألا أن الهوى كما قلنا يختلف متعلقه ويكون في موجودين كثيرين وقد بينا أن الهوى الذي هو الحب حقيقته حب الأتصال في موجود ما أو كثيرين فطلب منه تعالى أن يعلقه بالحق الذي شرع له وهو سبيل الله كما يعلقه بسبل كثيرة ما هي سبيل الله فهذا معنى قوله ولا تتبع الهوى فما كلفه ما لا يطيق فإن تكليف ما لا يطاق محال على العالم الحكيم أن يشرعه فإن أحتججت بتكليف الايمان من سبق في علم الله أنه يؤمن كأبي جهل وأمثاله قلنا الجواب من وجهين الوجه الواحد أني لست أعني بتكليف ما لا يطاق ألا ما جرت العادة به أنه لا يطيقه المكلف مثل أن يقول له أصعد إلى السماء بغير سبب وأجمع بين الضدين فقم في الوقت الذي لا يقوم وأنما كلفه ما جرت العادة به أن يطيقه وهو أعتقاد الايمان أو التلفظ به وكلاهما يجد كل أنسان في نفسه التمكن من مثل هذا كسبا أو خلقا كيفما شئت فقل ولهذا تقوم الحجة به لله على العبد يوم القيامة وقد قال قل فلله الحجة البالغة فلو كلفه ما ليس في وسعه عادة لم يصح قوله ' فلله الحجة البالغة ' بل كان يقول ولله أن يفعل ما يريد كما قال لا يسأل عما يفعل ومعنى ذلك أنه لا يقال للحق لم كلفتنا ونهيتنا وأمرتنا مع علمك بما قدرته علينا من مخالفتك هذا موضع لا يسأل عما يفعل فإنه يقول لهم هل أمرتكم بما تطيقونه أو بما لا تطيقونه عندكم فلا بد أن يقولوا بما جرت العادة به أن نطيقه فقد كلفهم ما يطيقونه فثبت أن لله الحجة البالغة فإنهم جاهلون بعلم الله فيهم زمان التكليف والجواب الثاني قد تقدم من أنه لا بد من الايمان به وقد وقع في قبض الله الذرية ويظهر حكمه في الآخرة فلا يبقى ألا مؤمن وهو في الدار الدنيا معترف بوجوده وأن أشرك فما يشرك ألا بموجود ولهذا ما طلب منه ألا توحيد الأمر له خاصة وهو محبوب الحق وهو معدوم منهم وهو يحب توحيده أن يظهر في هؤلاء الموجودين فهو وأن أحب واحدا فأحبه من كثيرين فمن أتصف به أحبه الله لكون محبوبه وهو التوحيد ظهر فيه ومن أبغضه فلكون محبوبه لم يظهر فيه وهو التوحيد فمآل الكل إلى الايمان وقد قررنا ذلك في سبق الرحمة غضب الله فقد تبين لك معنى الهوى وأما الحب فهو أن يتخلص هذا الهوى في تعلقه بسبيل الله دون سائر السبل فإذا تخلص له وصفا من كدورات الشركاء من السبل سمى حبا لصفائه وخلوصه ومنه سمى الحب الذي يجعل فيه الماء حبا لكون الماء يصفو فيه ويروق وينزل كدره إلى قعره وكذلك الحب في المخلوقين إذا تعلق بجناب الحق سبحانه وتخلص له من علاقته بالأنداد الذين جعلها المشركون شركاء لله في الألوهيةسمى ذلك حبا بل قال فيه تعالى ' والذين آمنوا أشد حبا لله ' وسبب ذلك أنه إذا كشف الغطاء وتبرأ الذين أتبعوا من الذين أتبعوا وقال ' الذين أتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا فزال حبهم إياهم في ذلك الموطن وبقي المؤمنون على حبهم لله فكانوا أشد حبا لله بما زادوا على أولئك في وقت رجوعهم عن حبهم آلهتهم حين لم تغن عنهم من الله شيأ فلا يبقى مع المشركين يوم القيامة إلا حبهم لله خاصة فإنهم في الدنيا أحبوه وأحبوا شركاءهم على أنهم آلهة ولولا ذلك التوهم والغلط ما أحبوهم فكان محبوبهم الألوهة وتخيلوها في كثيرين فأحبوه وأحبوا الشركاء فإذا كان في القيامة كما ذكرنا لم يبق عندهم سوى حبهم لله تعالى فكانوا في الآخرة أشد حبا لله منهم له في الدنيا لكون حبهم كان منقسما فاجتمع عليه في الآخرة لما لم يعاين محبوبه وهو الألوهة إلا فيه خاصة فلذلك كان سبق الرحمة وقوة الطرفين وضعف الواسطة بما فيها من الشركة وقد بينا ذلك مله فيما تقدم فهذا الفرق بين الحب والهوى وأما العشق فهو افراط المحبة أو المحبة المفرطة وهو قوله ' في الذين آمنوا أشد حبا لله ' وهو مع صفاته لو أخذ الذي هو مسمى الحب وظهوره في حبة القلب الذي أيضا به سمى حبا فإذا عم الإنسان بجملته وأعماه عن كل شئ سوى محبوبه وسرت تلك الحقيقة في جميع أجزاء بدنه وقواه وروحه وجرت فيه مجرى الدم في عروقه ولحمه وغمرت جميع مفاصله فاتصلت بوجوده وعانقت جميع أجزائه جسما وروحا ولم يبقى فيه متسع لغيره وصار نطقه به وسماعه منه ونظره في كل شئ إليه ورآه في كل صورة وما يرى شيأ إلا ويقول هو هذا حينئذ يسمى ذلك الحب عشقا كما حكى عن زليخا أنها افتصدت فوقع الدم في الأرض فإنكتب به يوسف يوسف في مواضع كثيرة حيث سقط الدم لجريان ذكر اسمه مجرى الدم في عروقها كلها وهكذا حكى عن الحلاج لما قطعت أطرافه انكتب بدمه في الأرض الله الله حيث وقع ولذلك قال رحمه اللهأتبعوا وقال ' الذين أتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا فزال حبهم إياهم في ذلك الموطن وبقي المؤمنون على حبهم لله فكانوا أشد حبا لله بما زادوا على أولئك في وقت رجوعهم عن حبهم آلهتهم حين لم تغن عنهم من الله شيأ فلا يبقى مع المشركين يوم القيامة إلا حبهم لله خاصة فإنهم في الدنيا أحبوه وأحبوا شركاءهم على أنهم آلهة ولولا ذلك التوهم والغلط ما أحبوهم فكان محبوبهم الألوهة وتخيلوها في كثيرين فأحبوه وأحبوا الشركاء فإذا كان في القيامة كما ذكرنا لم يبق عندهم سوى حبهم لله تعالى فكانوا في الآخرة أشد حبا لله منهم له في الدنيا لكون حبهم كان منقسما فاجتمع عليه في الآخرة لما لم يعاين محبوبه وهو الألوهة إلا فيه خاصة فلذلك كان سبق الرحمة وقوة الطرفين وضعف الواسطة بما فيها من الشركة وقد بينا ذلك مله فيما تقدم فهذا الفرق بين الحب والهوى وأما العشق فهو افراط المحبة أو المحبة المفرطة وهو قوله ' في الذين آمنوا أشد حبا لله ' وهو مع صفاته لو أخذ الذي هو مسوى الحب وظهوره في حبة القلب الذي أيضا به سمى حبا فإذا عم الإنسان بجملته وأعماه عن كل شئ سوى محبوبه وسرت تلك الحقيقة في جميع أجزاء بدنه وقواه وروحه وجرت فيه مجرى الدم في عروقه ولحمه وغمرت جميع مفاصله فاتصلت بوجوده وعانقت جميع أجزائه جسما وروحا ولم يبقى فيه متسع لغيره وصار نطقه به وسماعه منه ونظره في كل شئ إليه ورآه في كل صورة وما يرى شيأ إلا ويقول هو هذا حينئذ يسمى ذلك الحب عشقا كما حكى عن زليخا أنها افتصدت فوقع الدم في الأرض فإنكتب به يوسف يوسف في مواضع كثيرة حيث سقط الدم لجريان ذكر اسمه مجرى الدم في عروقها كلها وهكذا حكى عن الحلاج لما قطعت أطرافه انكتب بدمه في الأرض الله الله حيث وقع ولذلك قال رحمه الله

ما قد لي عضو ولا مفصل . . . إلا وفيه لكم ذكر فهذا من هذا الباب وهؤلاء هم العشاق الذين استهلكوا في الحب هذا الإستهلاك وهو الذي يسمى بالغرام وسيأتي ذكره في نعت المحبين إن شاء الله وأما الود فهو ثبات الحب أو العشق أو الهوى أية حالة كانت من أحوال هذه الصفة فإذا ثبت صاحبها الموصوف بها عليها ولم بغيره شئ عنها ولا أزاله عن حكمها وثبت سلطانها في المنشط والمكره وما يسوء ويسر في حال الهجر والطرد من الموجود الذي يحب أن يظهر فيه محبوبه ولم يبرح تحت سلطانه لكونه مظهر محبوبه سمى لذلك ودا وهو قوله تعالى ' سيجعل لهم الرحمن ودا ' أي ثباتا في المحبة عند الله وفي قلوب عباده هذا معنى الود وللحب أحوال كثيرة جدا في المحبين سأذكرها إن شاء الله مثل الشوق والغرام والهيام والكلف والبكاء والحزن وزالكبد والذبول والإنكسار وأمثال ذلك مما يتصف به المحبون ويذكرونه في أشعارهم مفصلة إن شاء الله وقد يقع في الحب أغاليط كثيرة أولها ما ذكرناه وهو أنهم يتخيلون أن المحبوب أمر وجودي وهو أمر عدمي يتعلق الحب به أن يراه موجودا في عين موجودة فإذا رآه انتقل حبه إلى دوام تلك الحال التي أحب وجودها من تلك العين الموجود فلا يزال المحبوب معدوما وما يشعر بذل أكثر المحبين إلا أن يكونوا عارفين بالحقائق ومتعلقاتها وقد بينا ذلك وأكثر كلامنا في هذا الباب إنما هو في المحبة المفرطة فإنها تذهب بالعقول أو تورث النحول والفكر الدائم والهم اللازم والقلق والأرق والشوق والإشتياق والسهاد وتغيير الحال وكسوف البال والوله والبله وسوء الظن بالمحبوب أعني الموجود الذي تحب ظهور محبوبك فيه الذي تزعم العامة فيه أنه المحبوب لها ونحن فيه على نوعين طائفة منا نظرت إلى المثال الذي في خيالها من ذلك الموجود الذي يظهر محبوبه فيه ويعاين وجود محبوبه وهو الإتصال به في خياله فيشاهد متصلا به اتصال لطف ألطف منه في عينه في الوجود الخارج وهو الذي اشتغل به قيس المجنون عن ليلى حين جاءته من خارج فقال لها إليك عني لئلا تحجبه كثافة المحسوس منها عن لطف هذه المشاهدة الخيالة فإنها في خياله ألطف منها في عينها وأجمل وهذا ألطف المحبة وصاحب هذا النعتلا يزال منعما لا يشكو الفراق ولنا في هذا النعت اليد الطولى بين المحبين فإن مثل هذا في المحبين عزيز الوجود لوجود لغلبة الكثافة عليهم وسبب ذلك عندنا أنه من استفراغ في حب المعاني المجردة عن المواد فغايته إذا كثفها أن ينزلها إلى الخيال ولا ينزل بها أكثر فمن كان أكثف حاله الخيال فما ظنك بلطافته في المعاني وهذا الذي حاله هذا هو الذي يمكن أن يحب الله فإن غايته في حبه إياه إذا لم يجرده عن التشبيه أن ينزله إلى الخيال وهو قوله عليه السلام اعبد الله كأنك تراه فإذا أحببنا ونحن بهذه الصفة موجودا نحب ظهور محبوبنا فيه من المحسوسات عالم الكثائف نلطفه بأن نرفعه إلى الخيال لنكسوه حسنا فوق حسنة ونجعله في حضرة لا يمكنه الهجر معها ولا الإنتقال عنها فلا يزال في اتصال دائم ولنا في ذلك

ما لمجنون عامر في هواه . . . غير شكوى البعاد والاغتراب

وأنا ضده فإن حبيبي . . . في خيالي فلم أزل في اقتراب

Halaman 332