Futuhat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Penerbit
دار إحياء التراث العربي
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1418هـ- 1998م
Lokasi Penerbit
لبنان
فهم الذين همو همو . . . أهل المودة في القديم وقد ورد في الخبر لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله أخوانا فنهوا عن التقاطع ألا ترى اتصال الانفاس داخلها بخارجها يؤذن بالبقاء والحياة فإذا انقطعت الوصلة بين النفسين فخرج الداخل يطلب دخول الخارج فلم يجده مات الانسان لا انقطاع تلك الوصلة التي كانت بين النفسين فالواصلون ما أمر الله به ان يوصل ذلك هو عين وصلتهم بالله تعالى فأثنى عليهم ومن الأولياء أيضا الخائفون من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بالخوف منه أو مما خوفهم منه امتثالا لأمره فقال ' وخافون ان كنتم مؤمنين ' وأثنى عليهم بانهم يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ويخافون سوء الحساب فإذا خافوه التحقوا بالملأ الأعلى في هذه الصفة فانه قال فيهم ' يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ' فمن كان بهذه المثابة تميز مع الملأ الأعلى فمن أدبهم مع الله انهم خافوا اليوم لما يقع فيه لكون الله خوفهم ومنه ولما تحققوا بهذا الأدب أثنى الله عليهم بانهم يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار فهذا خوف الزمان وأما خوف الحال فهو قوله ' ويخافون سوء الحساب ' فهم أهل أدب مع الله وفقوا له حيث وفقهم فان كثيرا من أهل الله لا يتفطنون لهذا الأدب ولا يعرجون على ما خوفوا به من الأكوان وعلقوا أمرهم بالله فهؤلاء لهم لقب آخر غير أسم الخائف وانما الخائفون الذين استحقوا هذا الاسم فهم الأدباء أوحى الله إلى رسوله موسى عليه السلام ' يا موسى خفني وخف نفسك ' يعني هواك ' وخف من لا يخافني ' وهم أعداء الله فأمره بالخوف من غيره فامتثل الأدباء أمر الله فخافوهم في هذا الموطن كما اشكروا غير الله من المحسنين إليهم بأمر الله لا من حيث ايصال النعم إليهم على أيديهم فهم في عبادة إلهية في شكرهم وفي خوفهم وهذا صراط دقيق خفي على العارفين فما ظنك بالعامة وأما المتوسطون أصحاب الأحوال فلا يعرفونه لانهم تحت سلطان أحوالهم أو من الأولياء أيضا المعرضون عمن أمرهم الله بالأعراض عنه من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بالأعراض عنهم قال تعالى ' والذين هم عن اللغو معرضون ' وقال ' فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ' وقد علمت هذه الطبقة انه ما ثم إلا الله فأعرضوا بأمره عن فعله فكانوا أدباء زمانهم ولم يعرضوا بانفسهم إذا المؤمن لا نفس له فان الله اشترى من المؤمنين انفسهم وأموالهم فمن ادعى الايمان وزعم ان له نفسا يملكها فليس بمؤمن فقال الحق لمن هذه صفته فأعرض بها يعني بالنفس التي اشتريتها منك أعرض بها عن من تولى عن ذكرنا ممن لم نشتر منه نفسه لكونه غير مؤمن فقوله ' الذين هم عن اللغو معرضون ' أي عن الذي أسقطه الله عن ان يعتبر معرضون لكون الحق أسقطه يقال لما لا يعتد به في الدية من أولاد الإبل لغو أي ساقط ومنه لغو اليمين لإسقاط الكفارة والمؤاخذة بها فأثنى الله عليهم بالإعراض وان تحققوا انه ما ثم إلا الله ومن الأولياء أيضا الكرماء من رجال ونساء رضي عنهم الله تولاهم الله بكرم النفوس فقال تعالى ' وإذا مروا بالغو مروا كراما ' أي لم ينظروا لما أسقط الله النظر إليه فلم يتدنسوا بشئ منه فمروا به غير ملتفتين إليه كراما فما أثر فيهم فانه مقام تستحليه النفوس وتقبل عليه للمخالفة التي جبلها الله عليها وهذه هي النفوس الأبية أي تأبى الرذائل فهي نفوس الكرام من عباد الله والتحق بهذه الصفة بالملأ الأعلى الذين قال الله فيهم ان صحفه بأيدي سفرة كرام بررة فنعتهم بانهم كرام فكل وصف يلحقك بالملأ الأعلى فهو شرف في حقك فان العارفين من عباد الله يجعلون بينهم وبين نعوت الحق عند التحلق باسمائه ماوصف الله به الملأ الأعلى من تلك الصفة فيأخذونها من حيث هي صفة لعبيد من عباد الله مطهرين لامن حيث هي صفة للحق تعالى فان شرفهم ان لايبرحوا من مقام العبودية وهذا الذوق في العارفين عزيز فان أكثر العارفين انما يتخلقون بالاسماء الحسنى من حيث ماهي أسماء الله تعالى لامن حيث ماذكرناه من كون الملأ الأعلى قد أتصف بها على مايليق به فلا يتخلق العارف بها ألابعد ان أكتسبت من أتصاف الملأ الأعلى روائح العبودة فمثل هؤلاء لايجدون في التخلق بها طعما للربوبية التي تستحقها هذه الاسماء فمن عرف ماذكرناه وعمل عليه ذاق من علم التجلي مالم يذقه أحد ممن وجد طعم الربوبية في تخلقه وصفات أولياء الله في كتاب الله المودع كلام الله كثيرة ومن أعلى الثناء وأكمله ماأوقع الأشتراك فيه بما يدل على المفاضلة وأكثر من هذا التنزل الألهي مايكون ولولا ان الكيان مظاهر الحق فكان نزوله منه إليه لما أطاق العارفون حمل كلام الحق ولاسماعه فجعل نفسه أرحم الراحمين بعباده وأحكم الحاكمين بفضل قضائه وأحسن الخالقين بتقدير وخير الغافرين بستر جلاله وخير الفاتحين لمغالق غيوبه وخير الفاصلين بأحكام حكمته فهم لأماناتهم وعهدهم راعون بكلايته وبشهادتهم قائمون بين يديه في بساط جلاله وداعون إليه على بينة منه وبصيرة بما يطلبه حسن بلائه وهم العاملون بأوامره والراسخون في العلم بشهادة توحيده بلسان إيمانه وأولوا الأبصار بالأعتبار في مخلوقاته وأولوا النهى بما زجرهم به في خطابه وأولوا الألباب بما حفظهم من الأستمداد لبقاء نوره وهم العارفون عن الناس لما حجهم به عن الأطلاع إلى سابق علمه والكاظمون الغيظ لتعدي حدوده والمنفقون مما أستخلفهم فيه أداء أمانة لمن شاء من عبيده والمستغفرون بالأسحار عند تجليه من سمائه والشاكرون لما أسداه من آلائه والفائزون بما وهبهم من معرفته والسابقون على نجب الأعمال إلى مرضاته والأبرار بما غمرهم به من أحسانه والمحسنون بما أشهدهم من كبريائه والمصطفون من بين الخلائق بأجتبائه والأعلون بأعلاء كلمته على كلمة أعدائه والمقربون بين أسمائه وانبيائه والمتفكرون فيما أخفاه من غامض حكمته في أحكامه والمذكرون من نسى أقراره بربو بيته عند أخذ ميثاقه والناصرون أهل دينه على من ناواهم فيه ابتغاء منازعته وان كان بقضائه أولئك عباد الله الذين ليس لأحد عليهم سلطان لكونهم من أهل الحجة البالغة لما تكلموا بالنيابة عنه في كلامه فهو لسانهم وسمعهم وبصرهم ويدهم في نوره وظلماته ولو تقصينا ما ذكر الله في كتابه من صفات أولياءه وشرحنا ما خصوا به لم يفي بذلك الوقت فإذ ولا بد من الإقتصاد في الإقتصار فليكف هذا القدر الذي ذكرناه من ذلك اجمالا وتفصيلا وموقتا وغير موقت واعلم انه من شم رائحة من العالم بالله لم يقل لم فعل كذا وما فعل كذا وكيف يقول العلم بالله لم فعل كذا وهو يعلم انه السبب الذي اقتضى كل ما ظهر وما يظهر وما قدم وما أخر وما رتب لذاته فهو عين السبب فلا يوجد لعلة سواه ولا يعدم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا فمشيئته عرش ذاته كذا قال أبو طالب المكي ان عقلت فان فتح لك في علم نسب الاسماء الإلهية التي ظهرت بظهور المظاهر الإلهية في أعيان الممكنات فتنوعت وتجنست وتشخصت قد علم كل اناس مشربهم وكل قد علم صلاته وتسبيحه فسبب ظهور كل حكم في عينه أسمه الإلهي وليست أسماؤه سوى نسب ذاتيه فاعقل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء التاسع والسبعون بسم الله الرحمن الرحيم
Halaman 41