503

Futuhat Makkiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Penerbit

دار إحياء التراث العربي

Edisi

الأولى

Tahun Penerbitan

1418هـ- 1998م

Lokasi Penerbit

لبنان

Wilayah-wilayah
Syria
Empayar & Era
Ayyubid

اختلف العلماء رضي الله عنهم في صيام أيام التشريق فمن قائل بجواز صومها ومن قائل بجواز صوم المتمتع فيها ومن قائل بالكراهة ومن قائل بمنع الصوم مطلقا فيها أيام التشريق هي الثلاثة الأيام التي بعد يوم النحر وهي أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى ذكر مسلم في كتابه عن نبيشة الهذلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك وهذه صفة أهل الجنة فحيث وجدت هذه الصفة زال معها كل عمل في حال حكمها إلا العبادة فإنها حقيقة لا تزول عن الإنسان دنيا ولا آخرة والصوم ترك وعبادة فمن اعتبر العبادة فيه أجاز الصوم فيه ومن اعتبر ما رجح الشرع من أنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى ولم يقل ليالي أكل وشرب فهو خبر إلهي لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فهو إعلام إلهي على جهة الخبر والخبر لا يدخله النسخ فأوجب الفطر فيها عبادة واجبة العمل فمن صام فيها فقد رجح نظره على خبر الله تعالى بما ينبغي أن يعمل فيها ومن نازع الله في شيء قال إنه له فقد عرض بنفسه للهلاك فإن الصوم له والفطر لك وما رخص في صومها المجتهد إلا لمن لم يجد الهدى كذا قال البخاري عن عائشة وابن عمر ثم جعل لك فيها ذكر لله وهو قوله تعالى ' فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم أباءكم أو أشد ذكرا ' فأمركم فيها بذكر الله فإن العرب كانت في هذه الأيام في الموسم تذكر أنسابها وأحسابها لاجتماع قبائل العرب في هذه الأيام تريد بذلك الفخر والسمعة فهذا معنى قوله ' كذكركم آباءكم ' أي اشتغلوا بالثناء على الله بما هو عليه على طريق الفخر إذ كنتم عبيده وفخر العبد بسيده فإنه مضاف إليه وأكبر من ذلك من كونه منه كما قال صلى الله عليه وسلم مولى القوم منهم وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته والعبد لا فخر له بأبيه بل فخره بسيده وإن افتخر العبد بأبيه فإنما يفتخر به من حيث أن أبه كان مقربا عند سيده لأنه عبد مثله ممتثلا لأمره واقفا عند حدوده ورسومه فإنه أيضا عبد الله فلهذا قال ' كذكركم آباءكم فما نهاهم عن ذكر أبائهم ولكن رجح ذكرهم الله على ذكرهم آباءهم بقوله ' أو أشد ذكرا ' وهو الموصي عباده بقوله أن اشكر لي ولوالديك أي كونوا أنتم من إيثار ذكر الله والفخر به من كونه سيدكم وأنتم عبيد له على ما كان عليه آباؤكم وذكر الله أكبر وأي عبادة كان فيها العبد وفيها ذكر الله فإن ذكر الله أكبر ما فيها من أفعال تلك العبادة وأقوالها قال تعالى ' إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ' يعني الذي فيها أكبر من جميع أفعالها فإنك إذا ذكرت الله فيها كان جليسك في تلك العبادة فإنه أخبر أنه جليس من ذكره وإذا كان جليسك فلا يخلو إما أن تكون ذا بصر إلهي فتشهده أو تكون غير ذي بصر إلهي فتشهده من طريق الإيمان إنه يراك فتكون في هذه الحال مثل الأعمى يعلم أنه جليس زيد وإن كان لا يراه فهو كأنه يراه فالرائي له يشهده محركا له في جميع أفعاله والذي لا يراه يحس بأن ثم محركا له في أفعاله بحس الإيمان لا بحس الشهود البصري وهو قوله ' كأنك تراه ' فإنه بالذكر يعلم أنه جليسه ألم يعلم بأن الله يرى وجليس الحق لا يمكن أن يكون إلا في خلوة معه ضرورة لا يتمكن أن يثبت مع هذا العبد إذا جالسه الحق جليس آخر جملة واحدة في خاطره لأنها مجالسة غيب قيل لبعضهم اذكرني في خلوتك بالله قال له إذا ذكرتك فلست في خلوة مع الله فكما أنه لا يكلم الله خلقه إلا من وراء حجاب والحجاب عين الكلام كذلك لا تكلمه أنت ولا تذكر عنده نفسك ولا غيرك إلا من وراء حجاب لا بد من ذلك فإن المشاهدة للبهت والخرس فلا بد للذاكر وإن كان الحق جليسه أن يكون أعمى ولا بد وعماه ذكره فالحق جليس غيب عند كل ذاكر فمن غلب عليه مشاهدة الخيال في حق ربه من قوله كأنك تراه وهو استحضار في خيال فمثل ذلك يجمع بين المشاهدة والكلام فإن الجليس في تلك الحال مثلك لا من ليس كمثله شيء وهذا كان حال الشهاب ابن أخي النجيب رحمه الله على ما نقل إلي الثقة عندي من قوله إن الإنسان يجمع بين المشاهدة والكلام أين هذا الذوق من ذوق المحقق أبي العباس السياري من الرجال المذكورين في رسالة القشيري حين قال ما التذ عاقل بمشاهدة قط لأن مشاهدة الحق فناء وليس فيها لذة أين هذا الذوق من ذوق الشهاب فافهم فإنه موضع غلط لأكابر المحققين من أهل الله فكيف بمن هو دونهم وقد أخبرنا عمن رأيناه من أهل الله المنتمين إلى الله أنه يقول بذلك أعني مثل قول الشهاب فإن كان صاحب علم تام فيقوله على حد ما رسمناه وإن كان دون ذلك فإنما يقوله كما يقوله من لا علم له بالحقائق ولو قالها بحضوري كنت أفاوضه فيها حتى أعرف بأي لسان يقول ذلك فكنت أنسبه إلى ما قال على التعيين فاعلم أنه إن كان قال ذلك على مجرى التحقيق علمنا أنه فوق ما يقول ومنهم من هو تحت ما يقول والذين هم تحت ما يقولون طائفتان طائفة في غاية العلم بالله مما في وسع البشر أن يعلموه من الله والطائفة الأخرى في غاية البعد والحجاب عن الله وهم الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم الذين لا يرون شيأ فوق علم الرسوم فهم يشبهون الطبقة العالية في كونهم تحت ما يقولون كما أنهم شاركوهم في اسم العلم وانفصلوا عنهم بمن أغنى بالعلوم أي بمن تعلق علمهم وهذا كله مدرك أهل أيام التشريق فإن أكلوا فيها فمن حيث أنها أيام أكل وشرب وذكر وإن صاموا فيها فمن حيث أنها أيام ذكر الله فشغلهم الذكر عن الأكل والشرب فامتناعهم عن الأكل امتناع حال لا امتناع عبادة .

وصل في فصل صيام يوم الفطر والأضحى

هذان اليومان محرم صومهما بحديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد أما حديث أبي سعيد الثابت فإنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ' لا يصح صيام يومين يوم الفطر من رمضان ويوم النحر ' وبه يحتج من يرى صيام أيام التشريق لأن دليل الخطاب يقتضي أن ما عدا هذين اليومين يصح الصيام فيها وإلا كان تخصيصهما عبثا وأما حديث أبي هريرة الثابت أيضا في مسلم فهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الفطر هو يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحون هكذا فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره الترمذي عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيه حديث حسن صحيح وسبب منع الصوم له في هذين اليومين لأن بالفطر والأضحى صح له التمييز بينه وبين ربه فعلم ما له وما لديه فحرم عليه التلبس بالصوم في هذين اليومين اللذين هما دليلان على العلم بالفارق والتمييز فلم يتمكن مع ذلك التلبس بالصوم فإن الصوم لله إذ كان صفة صمدانية منزهة من كانت صفته عن الطعام والشراب فلو تلبس بالصوم مع مشاهدة وجه هذا الدليل لم يكن صادقا في أخباره عن نفسه أنه في هذا المقام فكان فطره في هذين اليومين عبادة وتكليفا مشروعا ليجمع بين الحالتين فأعطاه الكشف العبادة من ذلك لما ذكرناه وأعطاه التكليف الشرعي الأجر في ذلك إذ عمل بحكمه لما نهاه صلى الله عليه وسلم عن صيامهما ولهذا قلنا في رؤية هلال الفطر إنه مستقبل عبادة كما علله بعض العلماء في هلال الصوم وغاب عن تحريم الصوم في هلال الفطر فأوجب في رؤيته شاهدين .

وصل في فصل من دعي إلى طعام وهو صائم

Halaman 780