Futuhat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Penerbit
دار إحياء التراث العربي
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1418هـ- 1998م
Lokasi Penerbit
لبنان
وإنما أولادنا بيننا . . . أكبادنا تمشي على الأرض فجعل الولد قطعة من الكب وقال عيسى عليه السلام لأصحابه قلب كل إنسان حيث ماله فاجعلوا أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء فحث على الصدقة لما علم أن الصدقة تقع بيد الرحمن وهو يقول أأمنتم من في السماء والصدقة تطفىء غضب الرب فانظر ما أعجب كلام النبوة وما أدقه وأحلاه فمن ألحق الولد بالوالد ووصله به فله أجر من وصل الرحم فينبغي للإنسان أن يلحق ماله من حيث ما هو مولد مولود بأبيه الذي تولد عنه لأنه قطعة منه فللإنسان المتصدق في صدقة زكاته أجر المصيبة وأجر صلة الرحم إذا زكى ماله والصبر على فقد المحبوب من أعظم الصبر ولا يصبر على ذلك إلا مؤمن أو عارف فإن الزاهد لا زكاة عليه لأنه ما ترك له شيأ تجب فيه الزكاة لأن الزهد يقتضي ذلك والعارف ليس كذلك لأن العارف يعلم أن فيه من حيث ما هو مجموع العالم من يطلب المال فيوفيه حقه فتجب عليه الزكاة من ذلك الوجه وهو زاهد من وجه ولهذا رجحنا قول من يقول إن الزكاة واجبة في المال لا على المكلف وإنما هو مكلف في إخراجها من المال إذ المال لا يخرج بنفسه فجمع العارف بين الأجرين بخلاف الزاهد والعارفون هم الكمل من الرجال فلهم الزهد والادخار والتوكل والاكتساب ولهم المحبة في جميع العالم كله وإن تفاضلت وجوه المحبة فيحبون جميع ما يقع في العالم بحب الله في إيجاد ذلك الواقع لا من جهة عين الواقع فاعلم ذلك فإن فيه دقيق مكر إلهي لا يشعر به إلا الأدباء العارفون فإن العارف يعلم أن فيه جزاء يطلب مناسبة من العالم فيوفي كل ذي حق حقه كما أعطى الله كل شيء خلقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' إن لنفسك عليك حقا ولعينك عليك حقا ' وهكذا كل جزء فيك ولهذا يشهد عليك يوم القيامة إذا استشهدهه الحق عليك وانظر في حكمة السامري حيث علم ما قال عيسى عليه السلام من أن حب المال ملصق بالقلوب صاغ لهم العجل بمرأى منهم من حلبهم لعلمه أن قلوبهم تابعة لأموالهم فسارعوا إلى عبادته حين دعاهم إلى ذلك فالعارف من حيث سره الرباني مستخلف فيما بيده من المال فهو كالوصي على مال المحجور عليه يخرج عنه الزكاة وليس له فيه شيء فلذلك قلنا إنه حق في المال فإن الصغير لا يجب عليه شيء وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتجارة في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة والعامي وإن كان مثل العارف في كونه جامعا فإن العامي لا يعلم ذلك فأضيف المال إليه فقيل له أموالكم فيخرج منها الزكاة فالعارف يخرجها إخراج الوصي والعامي يخرجها بحكم الملك فما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وكلا الفريقين صادق في حاله وصاحب دليل إلهي فيما نسب إليه فلولا المحبة ما فرضت الزكاة ليثابوا ثواب من رزىء في محبوبه ولولا المناسبة بين المحب والمحبوب لما كانت محبة ولا تصور وجودها ومن هنا تعلم حب العارف للمال من أي نسبة هو وحبه لله من أي نسبة هو ولا يقدح حبه في المال والدنيا في حبه لله وللآخرة فإن ما يحبه منه لأمر ما إلا ما يناسب ذلك الأمر في الإلهيات وفي العالم حبوا الله لما يغذوكم به من نعمه فصحت المناسبة ومن نعمه المعرفة به والعارف يطلبها منه فهي نسبة فقير إلى غني يطلب منه ما بيده له ليحصله فما طلب منه إلا أمرا حادثا إذ معرفة المحدث بالقديم معرفة حادثة فالمناسبة بينه وبين المعرفة الحدوث وهي بيد المعروف فيتعلق الحب بالمعروف لهذه المناسبة والمعرفة به لا تنقضي ولا تتناهى فالحب لا ينقضي وحصول مثل هذه المعرفة عن التجلي فالتجلي لا ينقضي فالمعرفة مال العارف وزكاة هذا المال التعليم وهي درجة إلهية قال تعالى ' واتقوا الله ويعلمكم الله ' فهو المعلم فلهذا قلنا إن التعليم درجة إلهية وجعل أصناف الزكاة ثمانية لما فيها من صلاح العالم فهي فيما تقوم به الأبدان من الغذاء وقضاء الحاجات مطلقا وفي هذين الأمرين صلاح العالم فهم حملة العرش الثمانية والعرش الذي هو الملك محمول لهم فمن تلك الحقيقة كانت في ثمانية أصناف مجمع عليها وما عداها مما اختلف فيه فهو راجع إليها ولما كان العرش الملك وكان حملة هذا العرش الذي هو عبارة عنا كان هؤلاء الأصناف الثمانية حملته وكان هذا القدر من المال المعبر عنه بالزكاة كالأجرة لحملهم وصل إنما سمى المال مالا لأنه يميل بالنفوس إليه وإنما مالت النفوس إليه لما جعل الله عنده من قضاء الحاجات به وجبل الإنسان على الحاجة لأنه فقير بالذات فمال إليه بالطبع الذي لا ينفك عنه ولو كان الزهد في المال حقيقة لم يكن مالا ولكان الزهد في الآخرة أتم مقاما من الزهد في الدنيا وليس الأمر كذلك وقد وعد الله بتضعيف الجزاء الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فلو كان القليل حجابا لكان الكثير منه أعظم حجابا ألا ترى إلى موطن التجلي والكشف وهو الدار الآخرة وهي محل الرؤية والمشاهدة مع تناول الشهوات النفسية مطلقا من غير تحجير وكلمة كن من كل إنسان فيها حاكمة فلو كان مثل هذا حجابا لكان حجاب الآخرة أكثف وأعظم بما لا يتقارب فسبحان من جعل له في كل شيء بابا إذا فتح ذلك الباب وجد الله عنده وعين في كل شيء وجها إلهيا إذا تجلى عرف ذلك الوجه من ذلك الشيء قال الصديق ما رأيت شيأ إلا رأيت الله قبله فإنه لا يراه إلا بعينه إذ كان الحق بصره في هذا الموطن فيرى نفسه قبل رؤية ذلك الشيء والإنسان هو المحل لذلك البصر فلهذا قال ما رأيت شيأ إلا رأيت الله قبله وسماها الله زكاة لما فيها من الربو والزيادة ولهذا تعطى قليلا وتجدها كثيرا فلو أعطيته لرفع الحجاب لكونه حجابا لكان الثواب حجبا كثيرة أعظم من هذا الحجاب فلم يكن بحمد الله ما أعطيته حجابا ولا ما وصلت إليه من ذلك حجابا فاعلم ذلك وانظر في تصرف العارف في الدنيا كيف هو ولا تحمل تصرفه على تصرفك وجهلك وسوء تأويلك فترى الزهد عند ذلك أفضل منه هيهات ' هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ' بل هي للعارف صفة كمالية سليمانية ' هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ' فما أليق هذا الاسم بهذا السؤال أتراه عليه السلام سأل ما يحجبه عن الله أو سأل ما يبعده من الله ثم انظر إلى أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمكنه الله من العفريت الذي فتك عليه فأراد أن يقبضه ويربطه بسارية من سواري المسجد حتى ينظر الناس إليه فتذكر دعوة أخيه سليمان فرده الله خاسئا فهذه حالة سليمانية حصلت لمحمد صلى الله عليه وسلم وما رده عنها الزهد فيها وإنما رده عن ذلك الأدب مع سليمان عليه السلام حيث طلب من ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وعلمنا من هذه القصة أن قوله لا ينبغي أنه يريد لا ينبغي ظهوره في الشاهد للناس لأحد وإن حصل بالقوة لبعض الناس كمسئلة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العفريت فلعلمنا أنه أراد الظهور في ذلك لأعين الناس ثم إن الله أجاب سليمان عليه السلام إلى ما طلب منه بأنه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة أخيه سليمان حتى لا يمضي ما قام بخاطره من إظهار ذلك ثم إن الله تمم هذه النعمة لسليمان عليه السلام بدار التكليف فقال له هذا عطارنا فامنن أو أمسك بغير حساب فرفع عنه الحرج في التصريف بالاسم المانع والمعطي فاختص بجنة معجلة في الحياة الدنيا وما حجبه هذا الملك عن ربه عز وجل فانظر إلى درجة العارف كيف جمع بين العينين وتحقق بالحقيقتين فأخرج الزكاة من المال الذي بيده إخراج الوصي من مال المحجور عليه بقوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فجعله مالكا للإنفاق من حقيقة إلهية فيه في مال هو ملك لحقيقة أخرى فيه هو وليها من حيث الحقيقة الإلهية جعلنا الله من العارفين العلماء وبما أودع فيه من قرة أعين .
وصل في فصل قبول المال أنواع العطاء
Halaman 707