Futuhat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Penerbit
دار إحياء التراث العربي
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1418هـ- 1998م
Lokasi Penerbit
لبنان
فلا ركن أشد من ركنك وما نفعك وإنما قلنا أنك أشد الأركان من كون القضاء ما جرى عليك إلا بما كسبت يداك وهو ما أعطته قدرتك فأضاف الفعل إليك وليس إلا ما قررناه من أنه ما علم منك إلا ما أنت عليه فإذا وها ركنك بالنظر إلى غرضك فلم نفسك فإن الحق المحكوم به تابع أبد الحال المحكوم به عليه فالمحكوم عليه هو الذي جنى على نفسه لا الحاكم بالمحكوم به وإنما تعددت الأركان من أجل الحجب التي أرسلها الحق بينك وبين الأصل وكون الأمر جعله مثل البيت على أربعة أركان ركن العلم وركن القول وهو قوله عز وجل هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق وركن المشيئة وركن الأصل وهو أنت وهو الركن الأول من البيت والثلاثة الأركان توابع فمن الناس من استند في حاله إلى علم الله فيه ومنهم من استند إلى مشيئته ومنهم من استند إلى ما كتب الله عليه وصاحب الذوق من يرى جميع ما ذكرناه ووقف مع نفسه وقال أنا الركن الذي مرجع الكل إليه فهو الأول الذي أنبني من هذا البيت ولكن صاحبه عزيز فإن الصحيح عزيز فالكل معلول عندهم وعندي أن العالم هو عين العلة والمعلول ما أقول أن الحق علة له كما يقوله بعض النظار فإن ذلك غاية الجهل بالأمر فإن القائل بذلك ما عرف الوجود ولا من هو الموجود فأنت يا هذا معلول بعلتك والله خالقك فافهم واعلم أنه من أوجدك له لا لك ففي حق نفسه عمل لا في حقك فما أنت المقصود لعينك قال عز وجل وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فذكر ما ظهر وهو مسمى الإنس وما استتر وهو مسمى الجن فإذا نظرت إلى هذا الخبر وسعدت أنت بهذه الوجوه فإنما سعدت بحكم التبعية فاعلم ما يقول له إذا قرر عليك النعم فإنما يقررها عليك لسان الإمكان فإن شئت فاسمع واسكت وإن شئت فتكلم كلاما يسمع منك وليس إلا أن تقول له ما قاله فبكلامه تحتج إن أردت أن تكون ذا حجة وإن تأدبت وسكت فإنه يعلم منك على ما سكت وانطويت عليه فما كل حق ينبغي أن يقال ولا يذاع ولا سيما في موطن الإشهاد والخصم قوى والحاكم الله ولا يحكم إلا بالحق الذي سأل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم به في قوله قل رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ولولا ما هو الرحمن ما اجترأ العبد أن يقول رب احكم بالحق فإنه تعالى ما يحكم إلا بالحق فإنه ما يتعدى علمه فيه الذي أخذه منه أزلا وظهر حكمه أبدا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الأحد والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة عيون أفئدة العارفين
ناظرة إلى ما عندي لا إلي
لو كان عندك ما عندي لما نظرت . . . عيون أفئدة للعارفين سواك
فإن نظرت بعين الجمع تحط بنا . . . وإن نظرت بأخرى كان ذاك هواك
ما في الوجود وجود غير خالقه . . . وما هنا عين شيء لا يكون هناك
بل كله عينه جمعا ونفرقه . . . إن لم يكن هكذا كوني فليس بذاك
قال الله عز وجل في العارفين وإذا سمعوا ما نزل إلى الرسول أترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ولم يقل علموا يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ولم يقولوا علمنا ومالنا لا نؤمن بالله ولم يقل نعلم وما جاءنا من الحق ونطمع وما قالوا نتحقق أن يد خلنار جامع القوم الصالحين وهي الدرجة الرابعة فأتاهم الله بما قالوا ولم يقل بما علموا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين والجنات عند الله فلهذا قال ناظرة إلى ما عندي فإنه قال في حق طائفة آخرين وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة على أن تكون إلى حرف أداة غاية لا تكون اسم جمع النعمة فإن ذلك في اللفظ يحتمل ولهذا ما هي هذه الآية نص في الرؤية يوم القيامة وإذا كان الأمر هكذا فاعلم أن الله قد فرق بين العارفين العلماء بما وصفهم به وميز بعضهم عن بعض فالعلم صفته والمعرفة ليست صفته فالعالم إلهي والعارف رباني من حيث الاصطلاح وإن كان العلم والمعرف والفقه كله بمعنى واحد لكن يعقل بينهما تميز في الدلالة كما تميزوا في اللفظ فيقال في الحق أنه عالم ولا يقال فيه عارف ولا فقيه وتقال هذه الثلاثة الألقاب في الإنسان وأكمل الثناء تعالى بالعلم على من اختصه من عباده أكثر مما أثنى به على العارفين فعلمنا أن اختصاصه بمن شاركه في الصفة أعظم عنده لأنه يرى نفسه فيه فالعالم مرآة الحق ولا يكون العارف ولا الفقيه مرآة له تعالى وكل عالم عندنا لم تظهر عليه ثمرة علمه ولا حكم عليه علمه فليس بعالم وإنما هو ناقل والعلم يستصحب الرحمة بلا شك فإذا رأيت من يدعي العلم ولا يقول بشمول الرحمة فما هو صاحب علم فإن الرحمة تتقدم بين يدي العلم تطلب العبد ثم يتبعها العلم هذا هو علم الطريق الذي درج عليه أهل الله وخاصته وهو قوله آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما وهذه هو علم الذوق لا علم النظر واعلم أن العارفين هم الموحدون والعلماء وإن كانوا موحدين فمن حيث هم عارفون إلا أن لهم علم النسب فهم يعلمون علم أحدية الكثرة وأحدية التمييز وليس هذا لغيرهم وبتوحيد العلماء وحد الله نفسه إذ عرف خلقه بذلك ولما أراد الله سبحانه أن يصف نفسه لنا بما وصف به العارفين من حيث هم عارفون جاء بالعلم والمراد به المعرفة حتى لا يكون لإطلاق المعرفة عليه تعالى حكم في الظاهر فقال لا تعلمونهم الله يعلمهم فالعلم هنا بمعنى المعرفة لا غير فالعارف لا يرى إلا حقا وخلقا والعالم يرى حقا وخلقا في خلق فيرى ثلاثة لأن الله وتر يحب الوتر فهو مع الله على ما يحبه الله مع الكثرة كما ورد أن لله تسع وتسعين اسم مائة إلا واحد فإن الله وتر يحب الوتر فما تسمى إلا بالواحد الكثير لا بالواحد الأحد وإنما قلنا في العارف أنه رباني فإن الله لما ذكر من وصفه بأنه عرف قال عنه إنه يقول في دعائه ربنا لم يقل غير ذلك من الأسماء وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مثل ذلك من عرف نفسه عرف ربه وما قال علم ولا قال إلهه فلزمنا الأدب مع الله تعالى ومع رسوله صلى الله عليه وسلم فأنزلنا كل أحد مزلته من الأسماء والصفات ومن أراد تحقيق الفرق بين المعرفة والعلم فعليه بمطالعة ما ذكرناه في مواقع النجوم لنا فإني شفيت في ذلك الغليل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
Halaman 58