Futuhat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Penerbit
دار إحياء التراث العربي
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1418هـ- 1998م
Lokasi Penerbit
لبنان
وأما قوله وما قدروا الله حق قدره وهو الذي أنطقهم بما نطقوا به فيه فإنه يقول عن المسهود عليهم أنهم قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء فما من شيء ينطق إلا والله أنطقه واختلف المنطوق به فثم نطق أي منطوق به يتعلق به مديح وثم منطوق به يتعلق به ذم وثم منطوق به يتعلق به تجوز لتواطئ جعله الله في العالم وثم منطوق به على ما هو المدلول عليه في نفسه فهو اخبار عن حقيقة وما ثم إلا ما ذكرناه فنطق المدح شهادة أولي العلم بتوحيد الله ونطق الذم قول القائل إن الله فقير ويد الله مغلولة يريد البخل ونطق بالحقيقة والله خلقكم ونطق بالتجوز للتواطئ وما تعملون والآية واحدة فأما قوله وما قدروا الله حق قدره لكونهم ليسوا مثله فما عرفوه ومن جهل أمره لا يقدر قدره فهم ليسوا له بمثل ولا هو مثل لهم فوصفوه بنفوسهم وبما هم عليه ولا يتمكن لهم إلا ذلك لأنهم يريدون الوصف الثبوتي ولا يكون إلا بالتشبيه ومن جعل مثلا لمن لا يقبل المثل فما قدره حق قدره أي ما أنزله المنزلة التي يستحقها فذمهم بالجهل حيث تعرضوا لما ليس لهم به علم من نفوسهم فلو قالوا فيه بما أنزله إليهم لم يتعلق بهم ذم من قبل الحق في ذلك لأن الحاكي لا ينسب إليه ما حكاه فلا يتعلق به ذم في ذلك ولا مدح فعلم الخلق بالله لا يدرك بقياس وإنما يدرك بإلقاء السمع لخطاب الحق إما بنسفه وإما بلسان المترجم عنه وهو الرسول مع الشهود الذي لا يسعه معه غير ما سمعه من الخطاب كما قال إن في ذلك إشارة لما تقدم لذكرى لمن كان له قلب فأحال على النظر الفكري بتقلب الأحوال عليه أو ألقى السمع وهو شهيد وما عدا هذين الصنفين فلا طريق لهم إلى العلم بما يستحقه الحق أن يضاف إليه وما يستحقه الخلق أن يضاف إليهم فمن عرف نفسه فإنه لا يماثله الحق ومن عرف ربه فإنه لا يماثله الخلق إذ معرفتك بجزء واحد من العالم من كونه دليلا عين معرفتك بالعالم كله فلهذا أنزلنا العالم منزلة الواحد فنفينا عنه المثلية إذ ما ثم في الوجود إلا الحق والحق ما هو مثل للعالم وإن كان العالم يماثل بعضه بعضا كما تحكم في الأسماء الإلهية في الغافر والغفور والغفار وأمثال هذا بأنها أمثال وإن تميزت بمراتب كالعالم فإن فيه أمثالا وإن تميزت بالأعيان والمراتب ولهذا ما نزلت هذه الآيات إلا في مقابلة قول كان منهم ورد ذلك في الخبر النبوي وأما في القرآن فقوله وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء مع إقرارهم أن التوراة أنزلت على موسى عليه السلام من عند الله فكذبوا على الله فاسودت وجوههم أي ذواتهم فلا نور لهم يكشفون به الأشياء بل هم عمي فهم لا يبصرون وأما قوله سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين فهذه آية ما نزل عند العارفين أشكل منها لما فيها من التداخل فدخل تحت قوله تعالى في تنزيه نفسه عما يصفون به عباده مما تعطيهم أدلتهم في زعمهم بالنظر الفكري كل على حياله وكل واحد يدعي التنزيه لخالقه في ذلك فأما الفيلسوف فنفى عنه العالم بمفردات العالم الواقعة في الحس منهم فلا يعلم عندهم أن زيد بن عمر وحرك أصبعه عند الزوال مثلا ولا أن عليه في هذا الوقت ثوبا معينا لكن يعلم أن في العالم من هو بهذه اصفة مطلقا من غير تعيين لأن حصول هذا العلم على التعيين إنما هو للحس والله منزه عن الحواس فقد اندرج عندهم هذا العلم بهذا الجزء في العلم الكل الذي هو أن في العالم من هو بهذه المثابة وقد حصل المقصود عندهم وفاتهم بذلك علم كبير فإن صاحب هذه الحركة المعينة من الشخص المعين يجوز أن تقوم بغيره فبأي شيء تقوم الحجة لله على تعيين هذا العبد حتى قرره عليها في الآخرة أو حرمه ما ينبغي له في الدنيا أو لم يتحرك بتلك الحركة وإن كان من أصل صاحب هذا النظر إنكار الآخرة المحسوسة وإنكار الوهب في الدنيا والجزاء لصاحب هذه الحركة على التعيين وإن من مذهبه أن تلك الحركة هي المانعة لذاتها أن يحصل لهذا المتحرك بها ما تمنعها حقيقة تلك الحركة فهو بان على أصل فاسد وهو أن الله ما صدر عنه إلا ذلك الواحد الأول لأحديته ثم انفعل العالم بعضه عن بعض من غير تعلق علم من الله تفصيلي بذلك بل بالعلم الكل الذي هو عليه وأما المتكلم مثل الأشعري فانتقل في تنزيهه عن التشبيه بالمحدث إلى التشبيه بالمحدث فقال مثلا في استوائه على العرش أنه يستحيل عليه أن يكون استواؤه استواء الأجسام لأنه ليس بجسم لما في ذلك من الحد والمقدار وطلب المخصص المرجح للمقادر فيثبت له الافتقار بل استواؤه كاستواء الملك على ملكه وأنشدوا في ذلك استشهادا على ما ذهبوا إليه من الاستواء
Halaman 519