Futuhat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Penerbit
دار إحياء التراث العربي
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1418هـ- 1998م
Lokasi Penerbit
لبنان
ولأنت تفرى ما خلقت وبع . . . ض الناس يخلق ولا يفرى وكالإسكاف وأمثاله من صائغ وخياط وحداد وأمثال ذلك يريد أن يقطع من جلد نعلا فيأخذ نعلا فيقدره على الجلد فإذا أخذ قدرة من الجلد ذلك المقدار وفصله منه والظلالات أوجدها الله على مثال الأشخاص ولما أراد فصلها مدها فظهرت أعيانها على صورة من هي ظله حذوك النعل بالنعل فلما خلق الله العالم دون الإنسان أي دون مجموعه حذا صورته على صورة العالم كله فما في العالم جزء إلا وهو على صورة الإنسان وأريد بالعالم كل ما سوى الله ففصله عن العالم بعدما دبره وهو عين الأمر المدبر ثم إنه تعالى حذاه حذوا معنويا على حضرة الأسماء الإلهية فظهرت فيه ظهور الصور في المرآة للرائي ثم فصله عن حضرة الأسماء الإلهية بعدما حصلت فيه قواها فظهر بها في روحه وباطنه فظاهر الإنسان خلق وباطنه حق وهذا هو الإنسان الكامل المطلوب وما عدا هذا فهو الإنسان الحيواني ورتبة الإنسان الحيواني من الإنسان الكامل رتبة خلق النسناس من الإنسان الحيواني هذا جملة الأمر في خلق الإنسان الكامل من غير تفصيل وأما تفصيل خلقه فاعلم أن الله لما خلق الأركان الأربعة دون الفلك وأدارها على شكل الفلك والكل أشكال في الجسم الكل فأول حركة فلكية ظهر أثرها فيما يليها من الأركان وهو النار فأثر فيه اشتعالا بما في الهواء من الرطوبة فكان ذلك الاشتعال واللهب من النار والهواء وهو المارج أي المختلط ومنه سمي المرج مرجا لأنه يحوي على أخلاط من الأزهار والنبات ومنه وقع الناس في هرج أي قتل ومرج أي اختلاط ففتح الله في تلك الشعلة الجان ثم أفاضت الكواكب النيرة بأمر الله وإذنه فإنه أوحى في كل سماء أمرها فطرحت شعاعها على الأركان والأركان مطارح الشعاعات فظهرت الأركان بالأنوار وأشرقت وأضاءت فأثرت وولدت فيها المعدن والنبات والحيوان وهي على الحقيقة التي أثرت في نفسها لأن الأفلاك أعني السموات إنما أوجدها الله عن الأركان ثم أثرت في الأركان بحركاتها وطرح شعاعات كواكبها ليتولد ما تولد فيها من المولدات فبضاعتها ردت إليها فما أثر فيها سواها وجعل ذلك من أشراط الساعة فإنه من أشراطها أن تلد المرأة بعلها فولدت الأركان الفلك ثم نكحها الفلك فولد فيها ما ولد فهو ابنها زوجها ولم يظهر في الأركان صورة للإنسان الذي هو المطلوب من وجود العالم فأخذ التراب اللزج وخلطه بالماء فصيره طينا بيديه تعالى كما يليق بجلاله إذ ليس كمثله شيء وتركه مدة يختمر بما يمر عليه من الهواء الحار الذي يتخلل أجزاء طينته فتخمر وتغيرت رائحته فكان حمأ مسنونا متغير الريح ومن أراد أن يرى صدق ذلك إن كان في إيمانه خلل فليحكم ذراعه بذراعه حكا قويا حتى يجد الحرارة من جلد ذراعه ثم يستنشقه فيجد فيه رائحة الحمأة وهي أصله التي خلق الجسم منها قال الله تعالى خلق الإنسان من صلصال ومن حماء مسنون فلما طهرت فخارة الإنسان بطبخ ركن النار إياها والتأمت أجزاؤه وقويت وصلبت قصرها بالماء الذي هو عنصر الحياة فأعطاها الماء من رطوبته وألان بذلك من صلابة الفخار ما ألان فسرت فيه الحياة وأمد الركن الهوائي بما فيه من الرطوبة والحرارة ليقابل بحرارته برد الماء فامتنعا فتوفرت الرطوبة عليه فأحال جوهرة طينته إلى لحم ودم وعضلات وعروق وأعصاب وعظام وهذه كلها أمزجة مختلفة لاختلاف آثار طبيعة العناصر واستعدادات أجزاء هذه النشأة فلذلك اختلفت أعيان هذه النشأة الحيوانية فاختلفت أسماؤها لتتميز كل عين من غيرها وجعل غذاء هذه النشأة مما خلقت منه والغذاء سبب في وجود النبات وبه ينمو فعبر عن نموه وظهور الزيادة فيه بقوله والله أنبتكم من الأرض نباتا ومعناه فنبتم نباتا فإن مصدر أنبت إنما هو إنبات فأضاف النبات إلى الشيء الذي ينمو يقول جعل غذاءكم منها أي مما تنبته فتنبتون به أي تنمي أجسامكم وتزيد فلما أكمل النشأة الجسمية النباتية الحيوانية وظهر فيها جميع قوى الحيوان أعطاه الفكر من قوة النفس العملية وأعطاه ذلك من قوة النفس العلمية من الاسم الإلهي المدبر فإن الحيوان جميع ما يعمله من الصنائع وما يعلمه ليس عن تدبير ولا روية بل هو مفطور على العلم بما يصدر عنه لا يعرف من أين حصل له ذلك الاتقان والأحكام كالعناكب والنحل والزنابير بخلاف الإنسان فإنه يعلم أنه ما استنبط أمرا من الأمور إلا عن فكر وروية وتدبير فيعرف من أين صدر هذا الأمر وسائر الحيوان يعلم الأمر ولا يعلم من أين صدر وبهذا القدر سمي إنسانا لا غير وهي حالة يشترك فيها جميع الناس إلا الإنسان الكامل فإنه زاد على الإنسان الحيواني في الدنيا بتصريفه الأسماء الإلهية التي أخذ قواها لما حذاه الحق عليها حين حذاه على العالم فجعل الإنسان الكامل خليفة عن الإنسان الكل الكبير الذي هو ظل الله في خلقه من خلقه فعن ذلك هو خليفة ولذلك هم خلفاء عن مستخلف واحد فهم ظلاله للأنوار الإلهية التي تقابل الإنسان الأصلي وتلك أنوار التجلي تختلف عليه من كل جانب فيظهر له ظلالات متعددة على قدر أعداد التجلي فلكل تجل فيه نور يعطي ظلا من صورة الإنسان في الوجود العنصري فيكون ذلك الظل خليفة فيوجد عنه الخلفاء خاصة وأما الإنسان الحيواني فليس ذلك أصله جملة واحدة وإنما حكمه حكم سائر الحيواني إلا أنه يتميز عن غيره من الحيوان بالفصل المقوم له كما يتميز الحيواني بعضه عن بعض بالفصول المقومة لكل واحد من الحيوان فغن الفرس ما هو الحمار من حيث فصله المقوم له ولا البغل ولا الطائر ولا السبع ولا الدودة فالإنسان الحيواني من جلة الحشرات فإذا كمل فهو الخليفة فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان ثم أن الله أعطاه حكم الخلافة واسم الخليفة وهما لفظان مؤنثان لظهور التكوين فنهما فإن الأنثى محل التكوين فهو في الاسم تنبيه ولم يقل فيه نائب وإن كان المعنى عينه ولكن قال إني جاعل في الأرض خليفة وما قال إنسانا ولا داعيا وإنما ذكره وسماه بما أجده له وإنما فرقنا بين الإنسان الحيواني والإنسان الكامل الخليفة لقوله تعالى يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك فهذا كمال النشأة الإنسانية العنصرية الطبيعية ثم قال له بعد ذلك في أي صورة ما شاء ركبك إن شاء في صورة الكمال فيجعلك خليفة عنه في العالم أو في صورة الحيوان فتكون من جملة الحيوان بفصلك المقوم لذاتك الذي لا يكون إلا لمن ينطلق عليه اسم الإنسان ولم يذكر في غير نشأة الإنسان قط تسوية ولا تعديلا وإن كان قد جاء فسوى فقد يعنى به خلق الإنسان لأن التسوية والتعديل لا يكونان معا إلا للإنسان لأنه سواه على صورة العالم وعدله عليه ولم يكن ذلك لغيره من المخلوقين من العناصر ثم قال له بعد التسوية والتعديل كن وهو نفس إلهي فظهر الإنسان الكامل عن التسوية والتعديل ونفخ الروح وقول كن وهو قوله أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فشبه الكامل وهو عيسى عليه السلام بالكامل وهو آدم عليه السلام خليفة بخليفة وغير الخلفاء إنما سواه ونفخ فيه من روحه وما قال فيه أنه قال له كن إلا في الآية الجامعة في قوله إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فاجعل بالك لما نبهتك عليه فنقص عن مرتبة الكمال التي أعطاها الله للخلفاء من الناس ولما قسم الله الفلك الأطلس الذي هو فلك البروج وهو قوله والسماء ذات البروج على أثني عشر قسما وأوحى الله تعالى في سماء البروج أمرها فلكل برج فيها أمر يتميز به عن غيره من البروج وجعل الله لهذه البروج أثرا من أمر الله الموحي به فيها فيما دون هذه السماء من عالم التركيب والإنسان من حيث جسمه وطبيعته من عالم التركيب وهو زبدة مخض الطبيعة التي ظهرت بتحريك الأفلاك فهو المخضة التي ليس في اللبن ألطف منها بل هي روح اللبن إذا خرج منه بقي العالم مثل النخالة فهو فيه لا فيه فإنه متميز عنه بالقوة وهو منه فإن الإنسان ما خرج من العالم وإن كان زبد مخضة العالم إذ لو انفصل عنه ما بقي العالم يساوي شيئا مثل اللبن إذا خرج عنه الزبد استحال وقل ثمنه وزال خبره الذي كان المطلوب منه ومن أجل تلك الزبدة كان يستعمل اللبن ويعظم قدره فلما قضى الله أن يكون لهذه البروج أثر في العالم الذي تحت حيطة سماء هذه البروج جعل الله في نشأة هذا الإنسان اثني عشر قبلا يقبل بها هذه الآثار فيظهر الإنسان الكامل بها وليس ذلك للإنسان الحيوان وإن كان أتم في قبول هذه الآثار من سائر الحيوان ولكنه ناقص بالنظر إلى قبول الإنسان الكامل فمن الإثني عشر لصوقها بالعالم حيث حذيت عليه ولصوقها بحضرة الأسماء الإلهية وبه صح الكمال لهذه النفس وهذه المجاورة على ثلاث مراتب منها مرتبة الاختصاص وهي في الإنسان الحيوان بما هو محصل لحقائق العالم وهي في الكامل كذلك وبما اختص به من الأسماء الإلهية حين انطلقت عليه بحكم المطابقة للحذو الإلهي الاعتنائي ولكونه ظلا ولا شيء ألصق من الظل بمن هو عنه والمرتبة الثانية من المجاورة مرتبة الشيئية الرابطة بين الأمرين وهي الأدوات الاتي بها يظهر عن الإنسان ما يتكون عنه فيشترك الإنسان الحيوان مع الكامل في الأدوات الصناعية التي بها يتوصل إلى مصنوع ما مما يفعل بالأيدي ويزيد الكامل عليه بالفعل بالهمة فأدواته همته وهي له بمنزلة الإرادة الإلهية إذا توجهت على إيجاد شيء فمن المحال أن لا يكون ذلك الشيء المراد والمرتبة الثالثة الاتصال بالحق فيفنى عن نفسه بهذا الاتصال فيظهر الحق حتى يكون سمعه وبصره وهذا المسمى علم الذوق فإنه لا يكون الحق شيئا من هذه الأدوات حتى تحترق بوجوده فيكون هو لا هي وقد ذقنا ذلك ووجدت الحرق حسا في ذكرى لله بالله فكان هو ولم أكن أنا فأحسست بالحرق في لساني وتألمت لذلك تألما حسيا حيوانيا لحرق حسي قام بالعضو فكنت ذاكرا الله بالله في تلك الحالة ست ساعات أو نحوها ثم أنبت الله لي لساني فذكرته بالحضور معه لا به وهكذا جميع القوى لا يكون الحق شيئا منها حتى يحرق تلك القوة وجوده فيكون هو أي قوة كانت وهو قوله كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ومن لم يشاهد الحرق في قواه ويحسه وإلا فلا ذوق له وإنما ذلك توهم منه وهذا معنى قوله في الحجب الإلهية لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه فأي قوة أراد الحق إحراقها من عبده حتى يحصل له العلم بالأمر من طريق الذوق برفع الحجاب الذي بين الإنسان من حيث تلك القوة وبين الحق فتحترق بنور الوجه فيسد بنفسه خلل تلك القوة فإن كان سمعه كان الحق سمعه في هذه الحالة وإن كان بصره فكذلك وإن كان لسانه فكذلك ولنا في هذا المعنىإلهية حين انطلقت عليه بحكم المطابقة للحذو الإلهي الاعتنائي ولكونه ظلا ولا شيء ألصق من الظل بمن هو عنه والمرتبة الثانية من المجاورة مرتبة الشيئية الرابطة بين الأمرين وهي الأدوات الاتي بها يظهر عن الإنسان ما يتكون عنه فيشترك الإنسان الحيوان مع الكامل في الأدوات الصناعية التي بها يتوصل إلى مصنوع ما مما يفعل بالأيدي ويزيد الكامل عليه بالفعل بالهمة فأدواته همته وهي له بمنزلة الإرادة الإلهية إذا توجهت على إيجاد شيء فمن المحال أن لا يكون ذلك الشيء المراد والمرتبة الثالثة الاتصال بالحق فيفنى عن نفسه بهذا الاتصال فيظهر الحق حتى يكون سمعه وبصره وهذا المسمى علم الذوق فإنه لا يكون الحق شيئا من هذه الأدوات حتى تحترق بوجوده فيكون هو لا هي وقد ذقنا ذلك ووجدت الحرق حسا في ذكرى لله بالله فكان هو ولم أكن أنا فأحسست بالحرق في لساني وتألمت لذلك تألما حسيا حيوانيا لحرق حسي قام بالعضو فكنت ذاكرا الله بالله في تلك الحالة ست ساعات أو نحوها ثم أنبت الله لي لساني فذكرته بالحضور معه لا به وهكذا جميع القوى لا يكون الحق شيئا منها حتى يحرق تلك القوة وجوده فيكون هو أي قوة كانت وهو قوله كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ومن لم يشاهد الحرق في قواه ويحسه وإلا فلا ذوق له وإنما ذلك توهم منه وهذا معنى قوله في الحجب الإلهية لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه فأي قوة أراد الحق إحراقها من عبده حتى يحصل له العلم بالأمر من طريق الذوق برفع الحجاب الذي بين الإنسان من حيث تلك القوة وبين الحق فتحترق بنور الوجه فيسد بنفسه خلل تلك القوة فإن كان سمعه كان الحق سمعه في هذه الحالة وإن كان بصره فكذلك وإن كان لسانه فكذلك ولنا في هذا المعنى
ألا إن ذكر الله بالله يحرق . . . وحكمي بهذا فيه حكم محقق
Halaman 291