Futuhat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Penerbit
دار إحياء التراث العربي
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1418هـ- 1998م
Lokasi Penerbit
لبنان
وسبحان المحيط بكل شيء . . . ويوصف في المعارف بالمزيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا سيد الناس يوم القيامة وعلل ذلك بكماله وقال لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني لعموم رسالته وشمول شريعته فخص صلى الله عليه وسلم بأشيئاء لم تعط لنبي قبله وما خص نبي بشيء إلا وكان لمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه أوتي جوامع الكلم وقال كنت نبيا وآدم بين الطين والماء وغيره من الأنبياء لم يكن نبيا إلا في حال نبوته وزمان رسالته فلنذكر في هذا الباب منزله ومنزلته فالمنزل يظهر في بساط الحق ومقعد الصدق عند التجلي والرؤية يوم الزور العلم الأعظم فيعلم منزله بالبصر والشهود وأما منزلته فهي منزلة في نفس الحق ومرتبة منه ولا يعلم ذلك إلا بإعلام الله وله المقام المحمود وهو فتح باب الشفاعة للملائكة فمن دونهم وله الأولية في الشفاعة وله الوسيلة وليس في المنازل أعلى منها ينالها محمد صلى الله عليه وسلم بسؤال أمته جزاء لما نالوه من السعادة به حيث أبان لهم طريقها فاتبعوه واعلم أن هذا المنزل من يدخله يرى فيه عجائب لا يراها غيره فمن ذلك أنه يرى أعمال الأشقياء مجسدة وأعمال السعداء كذلك مجسدة صورا قائمة تعقل وجود خالقها وقد جعل الله في نفوس هذه الصور طلبا على الأسباب التي وجدت عنها وهم العاملون ويجدون في طلبهم فأما أعمال السعداء فيرون على أيمانهم طريقا يسلكونها فتأخذ بهم تلك الطريق إلى مشاهدة أصحابهم وهم السعداء فيميز بعضهم بعضا ويتساءلون ويتخذونهم العاملون مراكب فوز ونجاة تحملهم إلى مستقر الرحمة وأما أعمال الأشقياء فتقوم لهم طرق متعددة متشعبة متداخلة بعضها في بعض لا يعرفون أي طريق تمشي بهم إلى أصحابهم فيحارون ولا يهتدون وهذا من رحمة الله بالأشقياء فإذا حارت أعمالهم رجعت إلى الله بالعبادة والذكر ويتفرقون في تلك الطرق فمنهم من لا يهتدي إلى صاحبه أبد الآبدين ومنهم من يصل إلى صاحبه فيشاهده ويتعرف إليه فيعرفه ويكون وجوده إياه مصادفة فيتعلق به ويقول له احملني فقد أتعبتني في طلبك فيجبر العامل على حمله إلى أن تناله الرحمة رحمة الله وإلى جانب موقف هذه الصور طريقان واضحان طريق يكون غايته الحق الوجود وطريق لا غاية له فإنه يخرج السالك إلى العدم فلا يقف عند غايته فيه إذ العدم لا ينضبط بحد فيتقيد به بخلاف الحق الوجود فإنه يتقيد وإن كان مطلقا فإطلاقه تقييد في نفس الأمر فإنه متميز بإطلاقه عن الوجود المقيد فهو مقيد في عين إطلاقه وطريق ثالث بين هذين الطريقين برزخي لا تتصف غايته بالوجود ولا بالعدم مثل الأحوال في علم المتكلمين فأما الطريق التي يكون غايتها الوجود الحق فيسلك عليها الموحدون والمؤمنون والمشركون والكافرون وجميع أصحاب العقائد الوجودية وأما الطريق الأخرى فلا يسلك عليها إلا المعطلة فلا ينتهي بهم إلى غاية وأما الطريق البرزخي فلا يسلك فيه إلا العلماء بالله خاصة الذين أثبتهم الحق ومحاهم في عيم إثباتهم وأبقاهم في حال فنائهم فهم الذين لا يموتون ولا يحيون إلى أن يقضي الله بين العباد فيأخذون ذات اليمين إلى طريق الوجود الحق وقد اكتسبوا من حقيقة تلك الطريق صفة واكتسبوا منها هيئة تظهر عليهم في منزل الوجود الحق يعرفون بها بعضهم بعضا ولا يعرفهم بها أحد من أهل الطريقين وهذا ضرب مثل ضربه الله لأهل الله ليقفوا منه على مراتب الهدى والحيرة والمهتدين والضالين وجعل الله لهم نورا بل أنوارا يهتدون بها في ظلمات بر طبيعتهم وفي ظلمات بحر أفكارهم وفي ظلمات نفوسهم الناطقة برها وبحرها بما هي عليه في نشأتها إذ كانت متولدة بين النور الخالص والطبيعة المحضة العنصرية الصرفية وتلك الأنوار المجعولة فيهم من الأسماء الإلهية فمن كان عارفا بها وناظرا بها من حيث ما وجدت له وصل بها إلى العلم بالأمور والكشف ومن أخذها أنوارا لا يعلم أنها بالوضع للاهتداء وجعلها زينة كما تراها العامة في كواكب السماء زينة خاصة لم يحصل له منها غير ما رأى ويراها العلماء بمنازلها وسيرها وسباحتها في أفلاكها موضوعة للاهتداء بها فاتخذوها علامات على ما يبتغونه في سيرهم على الطرق الموصلة إلى ما دعاهم الحق إليه من العلم به أو إلى السعادة التي هي الفوز خاصة واعلم أن الله لما جعل منزل محمد صلى الله عليه وسلم السيادة فكان سيدا ومن سواه سوقة علمنا أنه لا يقاوم فإنه السوقة لا تقاوم ملوكها فله منزل خاص ولما أعطي هذه المنزلة وآدم بين الماء والطين علمنا أنه الممد لكل إنسان كامل منعوت بناموس إلهي أو حكمي وأول ما ظهر من ذلك في آدم حيث جعله الله خليفة عن محمد صلى الله عليه وسلم فأمده بالأسماء كلها من مقام جوامع الكلم التي لمحمد صلى الله عليه وسلم فظهر بعلم الأسماء كلها على من اعترض على الله في وجوده ورجح نفسه عليه ثم توالت الخلائف في الأرض إلى أن وصل زمان وجود صورة جسمه لإظهار حكم منزلته باجتماع نشأتيه فلما برز كان كالشمس اندرج في نوره كل نور فأقر من شرائعه التي وجه بها نوابه ما أقر ونسخ منها ما نسخ وطهرت عنايته بأمته لحضوره وظهوره فيها وإن كان العالم الإنساني والناري كله أمته ولكن لهؤلاء خصوص وصف فجعلهم خير أمة أخرجت للناس هذا الفضل أعطاه ظهوره بنشأتيه فكان من فضل هذه الأمة على الأمم أن أنزلها منزلة خلفائه في العالم قبل ظهوره إذ كان أعطاهم التشريع فأعطى هذه الأمة الاجتهاد في نصب الأحكام وأمرهم أن يحكموا بما هداهم إليه اجتهادهم فأعطاهم التشريع فلحقوا بمقامات الأنبياء عليهم السلام في ذلك وجعلهم ورثة لهم لتقدمهم عليهم فإن المتأخر يرث المتقدم بالضرورة فيدعون إلى الله على بصيرة كما دعا الرسل محمد صلى الله عليه وسلم فأخبر بعصمتهم فيما يدعون إليه فمنهم المخطئ حكم غيره من المجتهدين ما هو مخطئ عن الحق فإن الذي جاء به حق فإن أخطأ حكما قد تقدم الحكم به لمحمد صلى الله عليه وسلم وما وصل إليه فذلك الذي جعل له أجرا واحدا وهو أجر الاجتهاد وإن أصاب الحكم المتقدم باجتهاده فله أجر الاجتهاد وأجر الإصابة وإن كان المصيب مجهول العين في المجتهدين عند نفسه وعند غيره فليس بمجهول عند الله وكل من دخل في زمان هذه الأمة بعد ظهور محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء والخلفاء الأول فإنهم لا يحكمون العالم إلا بما شرع محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة وتميز في المجتهدين وصار في حزبهم مع إبقاء منزلة الخلافة الأولى عليه فله حكمان يظهر بذلك في القيامة ما له ظهور بذلك هنا ومنزل محمد صلى الله عليه وسلم يوم الزور الأعظم على يمين الرحمن من حيث الصورة التي يتجلى فيها على عرشه ومنزله يوم القيامة ليس على يمين الرحمن لكن بين يدي الحكم العدل لتنفيذ الأوامر الإلهية والأحكام في العالم فالكل عنه يأخذ في ذلك الموطن وهو وجه كله يرى من جميع جهاته وله من كل جانب إعلام عن الله تعالى يفهم عنه يرونه لسانا ويسمعونه صوتا وحرفا ومنزلته في الجنان الوسيلة التي تتفرع جميع الجنات منها وهي جنة عدن دار المقامة ولها شعبة في كل جنة من تلك الجنات من تلك الشعبة يظهر صلى الله عليه وسلم لأهل تلك الجنة وهي في كل جنة اعظم منزلة فيها وهي منازل كلها حسية لا معنوية وليست المعنوية إلا منزلته في نفس موجده وهو الله تعالى وما هذا خاص به بل كل منزلة لا تكون إلا في نفس الله الذي هو الرحمن والمنازل محسوسة محصورة التي هي جمع منزل لا جمع منزلة فاعلم ذلك فإنه من لباب المعرفة بالله تعالى وتقدس في ذاته وأما منزلته في العلوم فالإحاطة بعلم كل عالم بالله من العلماء به تعالى متقدميهم ومتأخريهم وكل منزل له ولأتباعه مطيب بالطيب الإلهي الذي لم يدخل فيه ولا استعملت أيدي الأكوان فيه واعلم أنه من كماله صلى الله عليه وسلم أنه خص بستة لم تكن لنبي قبله والستة أكمل الأعداد وليس في الأشكال شكل فيه زوايا إذا انضمت إليها الأمثال لم يكن بينها خلو إلا الستة وبها أوحى الله إلى النحل في قوله أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون وأوحى إليها صفة عملها فعملتها مسدسة فأخبر أنه أعطى مفاتيح الخزائن وهي خزائن أجناس العالم ليخرج إليهم بقدر ما يطلبونه بذواتهم إذا علمنا انه السيد ومن اعتبر تعيين الخزائن بالأرض فليس في الأرض إلا خزائن المعادن والنبات لا غير فإن الحيوان من حيث نموه نبات قال تعالى والله أنبتكم من الأرض نباتا فأخبرنا أنا من جملة الأرض وما أعطيها صلى الله عليه وسلم حتى كان فيه الوصف الذي يستحقها به ولهذا طلبها يوسف عليه السلام من الملك صاحب مصر أن يجعله على خزائن الأرض لأنه حفيظ عليم ليفتقر الكل إليه فتصح سيادته عليهم ولهذا أخبر بالصفة التي يستحق من قامت به هذا المقام فقال إني حفيظ عليم حفيظ عليها فلا تخرج منها إلا بقدر معلوم كما أن الله سبحانه يقول وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم فإذا كانت هذه الصفة فيمن كانت ملك مقاليدها ثم قال بعد قوله حفيظ عليم أخبر أنه عالم بحاجة المحتاجين لما في هذه الخزائن التي خزن فيها ما به قوامهم عليم بقدر الحاجة فلما أعطي صلى الله عليه وسلم مفاتيح خزائن الأرض علمنا أنه حفيظ عليم فكل ما ظهر من رزق في العالم فإن الاسم الإلهي لا يعطيه إلا عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي بيده المفاتيح كما اختص الحق تعالى بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو وأعطى هذا السيد منزلة الاختصاص بعطائه مفاتيح الخزائن والخصلة الثانية أوتى جوامع الكلم والكلم جمع كلمة وكلمات الله لا تنفد فأعطي علم لا يتناهى فعلم ما يتناهى بما حصره الوجود وعلم ما لم يدخل في الوجود وهو غير متناه فأحاط علما بحقائق المعلومات وهي صفة إلهية لم تكن لغيره فالكلمة منه كلمات كالأمر الإلهي الذي هو كلمة واحدة كلمح البصر وليس في التشبيه الحسي أعظم ولا أحق تشبيها به من اللمح بالبصر ولما علم بجوامع الكلم أعطي الإعجاز بالقرآن الذي هو كلمة الله وهو المترجم به عن الله فوقع الإعجاز في الترجمة التي هي له فإن المعاني المجردة عن المواد لا يتصور الإعجاز بها وإنما الإعجاز ربط هذه المعاني بصور الكلم القائم من نظم الحروف فهو لسان الحق وسمعه وبصره وهو أعلى المراتب الإلهية وينزل عنها من كان الحق سمعه وبصره ولسانه فيكون مترجما عن عبده كما ترجم تعالى لنا في القرآن أحوال من قبلنا وما قالوه فما فيه ذلك الشرف فإنه يترجم عن أهله والمقربين لديه كالملائكة فيما قالوه ويترجم عن إبليس مع إبلاسه وشيطنته وبعده بما قاله ولا يترجم عن الله إلا من له الاختصاص الذي لا اختصاص فوقه والخصلة الثالثة بعثته إلى الناس كافة من الكفت وهو الضم ألم نجعل الأرض كفاتا أي تضم الأحياء على ظهرها والأموات في بطنها كذلك ضمت شريعته جميع الناس فلا يسمع به أحد إلا لزمه الإيمان به ولما سمع الجن القرآن يتلى قالوا لقومهم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين فأخبر بقوله فليس بمعجز في الأرض عن الجن وقول الله من وليس له إلى مبين فضمت شريعته الجن والإنس فعم بشريعته الإنس والجن وعمت العالم رحمته التي أرسل بها فقال وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين فأخبر الله أنه أرسله ليرحم العالم وما خص عالما من عالم فإذا أتى بكل ما يرضي العالم صنفا صنفا ما عدا بعض من هو مخاطب بحكم شرعه فقد رحمه وقام بالرحمة التي أرسل بها بل نقول أنه جاء بحكم الله وحكم الله يرضى به كل صنف من العالم بلا شك فإن كل العالم مسبح بحمده فهو راض بحكمه من جهة ما جاء به هذا الرسول العام الدعوة العام بنشر الرحمة على العالم غير أن من الناس من لم يرض بالمحكوم به وإن كان راضيا بالحكم فقد نال من رحمة الله التي أرسل بها على قدر ما رضي به من الحكم المعين الذي جاء به وليس هذا الواقع إلا في الناس خاصة وإنما الجن شيئاطينهم وغير شيئاطينهم فإن الله جعل لهم الإغواء وأمرهم من خلف حجاب البعد بالاستفزاز والمشاركة في الأموال والأولاد ابتلاء لهم وامتحانا فيقول الشيطان للإنسان اكفر فإذا كفر يقول الشيطان إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين هذا إخبار الله عنه ثم قال فكان عاقبتهما أي جاءهما عقيب هذا الواقع أنهما في النار فأعقب الشيطان برجوعه إلى أصله فإنه مخلوق من النار فرجع إلى موطنه وكان للإنسان عقوبة على كفره حيث ظلم بقبول ما جاء به الشيطان ولم يقبل ما جاء به الرسول ثم قال خالدين فيها فخلد الشيطان في منزله وداره وخلد الإنسان جزاء لكفره ولهذا تبرأ منه للافتراق الذي بينهما في العاقبة وقوله وذلك فأشار ببنية الواحد ولم يثن الإشارة إلى العقاب فإنهما ما اشتركا فيه لأن الذي أتى للإنسان عقيب ذنبه إنما هو العذاب والذي كان سهم الشيطان الذي أتاه عقيب فعله وقوله رجوعه إلى أصله الذي منه خلق فلا يغتر العاقل ألا ترى في قصة آدم في الجنة لما وقع منه ما وقع من قرب الشجرة وأعقبه الله الهبوط إلى الأرض من الجنة وأهبط حواء وأهبط إبليس ولهذا قال اهبطوا جميعا فجمع ولم يثن ولا أفرد فنزل آدم إلى أصله الذي خلق منه فإنه مخلوق من التراب فأهبطه الله للخلافة لقوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة فما أهبط عقوبة لما وقع منه وإنما جاء الهبوط عقيب ما وقع منه وأهبط حواء للتناسل وأهبط إبليس عقوبة لا رجوعا إلى أصله فإنها ليست داره ولا خلق منها فسأل الله الإغواء أن يدوم له في ذرية آدم لما عاقبه الله بما يكرهه من إنزاله إلى الأرض وكان سبب ذلك في الأصل وجود آدم لأنه بوجوده وقع الأمر بالسجود وظهر ما ظهر من إبليس وكان من الأمر ما كان فعلمنا أن الله أرسله بالرحمة وجعله رحمة للعالمين فمن لم تنله رحمته فما ذلك من جهته وإنما ذلك من جهة القابل فهو كالنور الشمسي أفاض شعاعه على الأرض فمن استنزعه في كن وظل جدار فهو الذي لم يقبل انتشار النور عليه وعدل عنه فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى كل أحمر وأسود فذكر من قامت به الألوان من الأجسام يشير إلى أنه مبعوث بعموم الرحمة لمن يقبلها بعموم الشرع لمن يؤمن به وأمته صلى الله عليه وسلم جميع من بعث إليه ليشرع له فمنهم من آمن ومنهم من كفر والكل أمته والخصلة الرابعة أنه نصر بالرعب بين يديه مسيرة شهر والشهر قدر قطع القمر درجات الفلك المحيط فهو أسرع قاطع والحساب به للعرب وهو عربي فإذا نصر بين يديه بالرعب مسيرة شهر بسير القمر لأنه ما ذكر السائر وذكر الشهر ولا يعين الشهر عند أصحاب هذا اللسان الأسير القمر فقد عم نصره بالرعب ما قطعه من المسافة هذا القمر في شهر فعم حكم كل درجة للفلك الأقصى لها أثر في عالم الحون والفساد بقطع القمر تلك المسافة فما قال ذلك إلا بطريق الثناء به عليه ولو كان ثم من يقطع الفلك في أقل من هذه المدة لجاء به فجاء بأسرع سائر يعم سيره قطع درجات الفلك المحيط فعموم رعبه في قلوب أعدائه عموم رحمته فلا يقبل الرعب إلا عدو مقصود يعلم أنه مقصود فما قابله أحد في قتال إلا وفي قلبه رعب منه ولكنه يتجلد عليه بما أشقاه الله ليتميز السعيد من الشقي فيوهن ذلك الرعب من جلادة عدوه على قدر ما يريد الله فما نقص من جلادة ذلك العدو بما وجده من الرعب كان ذلك القدر نصرا من الله والخصلة الخامسة أحلت له الغنائم ولم تحل لأحد قبله فأعطى ما يوافق شهوة أمته والشهوة نار في باطن الإنسان تطلب مشتهاها ولا سيما في المغانم لأن النفوس لها التذاذ بها لكونها حصلت لهم عن قهر منهم وغلبة وتعمل فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها في مقابلة ما قاسوه من الشدة والتعب في تحصيلها فهي أعظم مشتهى لهم وقد كانت المغانم في حق غيره من الأنبياء إذا انصرف من قتال العدو وجمع المغانم كلها فإذا لم يبق منها شيء نزلت نار من الجو فأحرقتها كلها فإن وقع فيها غلول لم تنزل تلك النار حتى يرد ويلقى فيها ذلك الذي أخذ منها فكان لهم نزول النار علامة على القبول الإلهي لفعلهم فأحلها الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فقسمها في أصحابه فتناولتها نار شهواتهم عناية من الله بهم لكرامة هذا الرسول عليه فأكرمه بأمر لم يكرم به غيره من الرسل وأكرم من آمن به بما لم يكرم به مؤمنا قبله بغيره والخصلة السادسة أن طهر الله بسببه الأرض فجعلها كلها مسجدا له فحيث أدركته أو أمته الصلاة يصلي والمساجد بيوت الله وبيوت الله أكرم البيوت لإضافتها إلى الله فصير الأرض كلها بيت الله من حيث أن جعلها مسجدا وقد أخبرنا لمن يلازم المساجد من الفضل عند الله فأمته لا تبرح في مسجد أبدا لأنها لا تبرح من الأرض لا في الحياة ولا في الموت وإنما هو انتقال من ظهر إلى بطن وملازم المسجد جليس الله في بيته فهذه الأمة جلساء الله حياة وموتا لأنهم في مسجد وهو الأرض وكذلك جعل الله أيضا تربة هذه الأرض طهور فكان لها حكم الماء في الطهارة إذا عدم الماء أو عدم الاقتدار على استعماله لسبب مانع من ذلك فأقام لهم تراب هذه الأرض والأرض طهورا فإذا فارق الأرض ما فارق منها ما عدا التراب فلا يتطهر به إلا أن يكون التراب فإنه ما كان منها يسمى أرضا ما دام فيها من معدن ورخام وزرنيخ وغير ذلك فما دام في الأرض كان أرضا حقيقة لأن الأرض تعم هذا كله فإذا فارق الأرض انفرد باسم خاص له وزال عنه اسم الأرض فزال حكم الطهارة منه إلا التراب خاصة فسواء فارق الأرض أو لم يفارقها فإنه طهور لأنه منه خلق المتطهر به وهو الإنسان فيطهر بذاته تشريفا له فأبقى الله النص عليه بالحكم به في الطهارة دون غيره ممن له اسم غير اسم الأرض فإذا فارق التراب الأرض زال عنه اسم الأرض وبقي عليه اسم التراب كما زال عن الزرنيخ اسم الأرض لما فارق الأرض وبقي عليه اسم الزرنيخ فلم تجز الطهارة به بعد المفارقة لأن الله ما خلق الإنسان من زرنيخ وإنما خلقه من تراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أن الله جعلها له مسجدا وطهورا فعم ثم قال في الخبر الآخر وجعلت تربتها لنا طهورا فخرج التراب بالنص فيه عن سائر ما يكون أرضا ويزول عنه الاسم بالمفارقة فهذه ستة خص بها هذا النبي صلى الله عليه وسلم فكانت منزلة لم ينلها غيره لها حكم في كل منزل من دنيا وهو ما ذكرناه ومن برزخ وقيامة وجنة وكثيب فيظهر حكم هذا الاختصاص الإلهي في كل منزل من هذه المنازل ليتبين شرفه وما فضله الله به على غيره مع كونه أعطى جميع ما فضلت به الرسل بعضها على بعض ثم لتعلم أيها الولي أنه من رحمته صلى الله عليه وسلم التي بعثه الله تعالى بها ما أبان الله على لسانه لنا وأمره بتبليغ ذلك فبلغ أنه ليس من شرط الرسالة ظهور العلامات على صدقه إنما هو شخص منذر مأمور بتبليغ ما أمر بتبليغه هذا حظه لا يجب عليه غير ذلك فإن أتى بعلامة على صدقه فذلك فضل الله ليس ذلك بيده فأقام عذر الأنبياء كلهم في ذلك فكان رحمة للرسل في هذا فجاء في القرآن قوله وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه وهذا قول غير العرب ما هو قول العرب لأنه جاء بالقرآن آية على صدقه للعرب إذ لا يعرف إعجازه وكونه آية غير العرب فلم يرد عنه أنه أظهر آية لكل من دعاه من غير العرب كاليهود والنصارى والمجوس ولكن أي شيء جاء من الآيات فذلك من الله لا بحكم الوجوب عليه ولا على غيره من الرسل فقيل له قل لهم إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين ثم قال له أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة بهم فإنا أرسلناك رحمة للعالمين فضمنا القرآن جميع ما تعرف الأمم أنه آية على صدق ما جاء به إذ لم يعلموا منه بقرائن الأحوال أنه قرأ ولا كتب ولا طالع ولا عاشر ولا فارق بلده بل كان أميا من جملة الأميين وأخبرهم عن الله بأمور يعرفون أنه لا يعلمها من هو بهذه الصفة التي هو عليها هذا الرسول إلا بإعلام من الله فكان ما جاء في القرآن من ذلك آية كما قالوا وطلبوا وكان إعجازه للعرب خاصة إذ نزل بلسانهم وصرفوا عن معارضته أو لم يكن في قوتهم ذلك من غير صرف حدث لهم فجاء القرآن بما جاءت به الكتب قبله ولا علم له بما جاء فيها إلا من القرآن وعلمت ذلك اليهود والنصارى وأصحاب الكتب فحصلت الآية من عند الله لأن القرآن من عند الله فقد تبين لك منزل محمد من غيره من الرسل وخصه الله بعلوم لم تجتمع في غيره منها أنه أعطاه أنواع ضروب الوحي كلها فأوحى إليه بجميع ما سمي وحيا كالمبشرات والإنزال على القلوب والآذان وبحلة العروج وعدم العروج وغير ذلك وخصه بعموم علوم الأحوال كلها فأعطاه العلم بكل حال وفي كل حال ذوقا لأنه أرسله إلى الناس كافة وأحوالهم مختلفة فلا بد أن تكون رسالته تعم العلم بجميع الأحوال وخصه الله بعلم إحياء الأموات معنى وحسا فحصل العلم بالحياة المعنوية وهي حياة العلوم والحياة الحسية وهو ما أتى في قصة إبراهيم عليه السلام تعليما وإعلاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وخص بعلم الشرائع كلها فأبان له عن شرائع المتقدمين وأمره أن يهتدي بهداهم وخص بشرع لم يكن لغيره منه ما ذكرناه في الستة التي خص بها فهذه أربعة منازل لم ينزل فيها غيره من الأنبياء عليهم السلام فهذا منزل محمد صلى الله عليه وسلم قد ذكرت منه ما يسره الله على لساني فلنذكر ما يتضمن منزله من العلوم فمن ذلك علم الحجاب أعني حجاب الجحد وحجاب الحكمة وعلم الفارق الذي تعينت به السبل مثل قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة وهل هم اليوم بعموم بعثة الرسل أمة واحدة أم لا وهل حكم الله على أصحاب الكتب بالجزية وإبقائهم على دينهم شرع من الله لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فينفعهم ذلك ما أعطوا الجزية عن قوة من الآخذين وصغار منهم فقد فعلوا ما كلفوا وكان هذا حظهم من الشريعة فإبقاؤهم على شرعهم شرع محمدي لهم فيسعدون بذلك فتكون مؤاخذة من أحد منهم بما فرط فيه من الشرع الذي هم عليه كسائر العصاة الذين لم يعملوا جميع ما تضمنه شرعهم وإن كانوا مؤمنين به وهذا علم غريب ما أعلم له ذائقا من فتوح المكاشفة وهو من علوم الأسرار التي غار عليها أهل الله فصانوها وفيه علم ما حير الأكوان فيما تحيروا فيه كان ما كان وفيه علم الإيمان المطلق والمقيد وفيه علم ما يفسد العمل المشروع ويصلحه وفيه علم سريان الحق في الأحكام على اختلافها وأنها كلها حق من الرب وفيه علم الكفارات وفيه علم ما تصلح به أحوال الخلق وفيه علم ما هو الباطل وما هو الحق هل هما أمر وجودي أو ليس وجودي وفيه علم الشركة في الاتباع وإلى ما يؤول كل تابع هل غايته أمر واحد أو مختلف وفيه علم من تضرب له الأمثال ممن لا تضرب وفيه علم القهر الإلهي على أيدي الأكوان وقول أبي يزيد بطشي أشد في هذا المقام وفيه علم الفرج بعد الشدة وهل من شأن الفرج أن لا يكون إلا بعد شدة أم لا وفيه علم أنواع الابتلاء وفيه علم الصفة التي تزيل الحيرة عمن قامت به والإبانة عن ذلك وعلم الأنفاس الإلهية وعلم الأسفار عن نتائج الأسفار وعلم المواعظ وعلم الغلبة التي ليس فيها نصر إلهي بماذا كانوا غالبين وفيه علم الفرق بين علم العين وعلم الدليل وهل يقوم مقام العين أم لا وفيه علم أنواع الزينة في العالم وفيه علم مراتب العلوم وتفاصيلها وفيه علم القضاء السابق من علم نقاة القدر وفيه علم الطبع والختم والقفل والكن وما هو عمى الأبصار وعمى البصائر ولم اختص عمى القلوب بحالة الصدور وهو الرجوع عن الحق وهل هو الصدور الذي يكون عن ورود متقدم أو هو صدور تكوين ممكن عن واجب أو هو صدور محل لا صفة فيكون عماه من كونه في المحل فإذا فارق المحل بنظره وانفتح له فيه فرج ينظر منها يزول عماه وفيه تعيين علوم المزيد فإنها مختلفة بحكم ما تقع الزيادة عليه وفيه علم الآيات والعلامات على الكوائن وفيه علم توحيد المرتبة الإلهية أنه ما حازها إلا واحد وفيه علم الستور وأصنافها التي تسدل علينا لنستر بها عن إدراك الغير وما هي الستور التي تسدل بيننا وبين من نطلب رؤيته فلا نراه وفيه علم الإقامة في المنزل والتقلب فيه لا عنه وفيه علم العناية بقوم وتركها في حق قوم وفيه ما تنتجه العزائم في الخير والشر وفيه علم الخير والشرور وفيه علم النسب الرحماني وفيه علم ما ينفع من الإيمان مما لا ينفع كما قال أولئك هم الكافرون حقا وفيه علم البعد والقرب الإلهي وفيه علم ما يؤدي إليه التفكير وفيه علم الرجعة ممن وإلى من وفيه علم ما يؤثر فيه الظن مما لا يؤثر وفيه علم المشاهدة وتعلقها بالمشيئة مع استعداد المحل لقبولها وما هناك منع والمحل قابل وما هذه المشيئة المانعة وفيه علم الغنصاف في المجازاة والفضل وفيه علم الفرق بين الأضداد والأمثال غير الأمثال إلى غير هذا من العلوم فإني لا أسوق من ذلك ما أسوقه على جهة الحصر مع علمي بذلك وإنما أسوقه على جهة التنبيه على ما فيه أو بعض ما فيه بحسب ما يقع لي فوقتا أورد ذلك بطريق الحصر بحيث أني لا أترك في المنزل علما إلا نبهت عليه ووقتا أقصر عن ذلك والله يقول الحق وهو يهدي السبيلشريعة فإبقاؤهم على شرعهم شرع محمدي لهم فيسعدون بذلك فتكون مؤاخذة من أحد منهم بما فرط فيه من الشرع الذي هم عليه كسائر العصاة الذين لم يعملوا جميع ما تضمنه شرعهم وإن كانوا مؤمنين به وهذا علم غريب ما أعلم له ذائقا من فتوح المكاشفة وهو من علوم الأسرار التي غار عليها أهل الله فصانوها وفيه علم ما حير الأكوان فيما تحيروا فيه كان ما كان وفيه علم الإيمان المطلق والمقيد وفيه علم ما يفسد العمل المشروع ويصلحه وفيه علم سريان الحق في الأحكام على اختلافها وأنها كلها حق من الرب وفيه علم الكفارات وفيه علم ما تصلح به أحوال الخلق وفيه علم ما هو الباطل وما هو الحق هل هما أمر وجودي أو ليس وجودي وفيه علم الشركة في الاتباع وإلى ما يؤول كل تابع هل غايته أمر واحد أو مختلف وفيه علم من تضرب له الأمثال ممن لا تضرب وفيه علم القهر الإلهي على أيدي الأكوان وقول أبي يزيد بطشي أشد في هذا المقام وفيه علم الفرج بعد الشدة وهل من شأن الفرج أن لا يكون إلا بعد شدة أم لا وفيه علم أنواع الابتلاء وفيه علم الصفة التي تزيل الحيرة عمن قامت به والإبانة عن ذلك وعلم الأنفاس الإلهية وعلم الأسفار عن نتائج الأسفار وعلم المواعظ وعلم الغلبة التي ليس فيها نصر إلهي بماذا كانوا غالبين وفيه علم الفرق بين علم العين وعلم الدليل وهل يقوم مقام العين أم لا وفيه علم أنواع الزينة في العالم وفيه علم مراتب العلوم وتفاصيلها وفيه علم القضاء السابق من علم نقاة القدر وفيه علم الطبع والختم والقفل والكن وما هو عمى الأبصار وعمى البصائر ولم اختص عمى القلوب بحالة الصدور وهو الرجوع عن الحق وهل هو الصدور الذي يكون عن ورود متقدم أو هو صدور تكوين ممكن عن واجب أو هو صدور محل لا صفة فيكون عماه من كونه في المحل فإذا فارق المحل بنظره وانفتح له فيه فرج ينظر منها يزول عماه وفيه تعيين علوم المزيد فإنها مختلفة بحكم ما تقع الزيادة عليه وفيه علم الآيات والعلامات على الكوائن وفيه علم توحيد المرتبة الإلهية أنه ما حازها إلا واحد وفيه علم الستور وأصنافها التي تسدل علينا لنستر بها عن إدراك الغير وما هي الستور التي تسدل بيننا وبين من نطلب رؤيته فلا نراه وفيه علم الإقامة في المنزل والتقلب فيه لا عنه وفيه علم العناية بقوم وتركها في حق قوم وفيه ما تنتجه العزائم في الخير والشر وفيه علم الخير والشرور وفيه علم النسب الرحماني وفيه علم ما ينفع من الإيمان مما لا ينفع كما قال أولئك هم الكافرون حقا وفيه علم البعد والقرب الإلهي وفيه علم ما يؤدي إليه التفكير وفيه علم الرجعة ممن وإلى من وفيه علم ما يؤثر فيه الظن مما لا يؤثر وفيه علم المشاهدة وتعلقها بالمشيئة مع استعداد المحل لقبولها وما هناك منع والمحل قابل وما هذه المشيئة المانعة وفيه علم الغنصاف في المجازاة والفضل وفيه علم الفرق بين الأضداد والأمثال غير الأمثال إلى غير هذا من العلوم فإني لا أسوق من ذلك ما أسوقه على جهة الحصر مع علمي بذلك وإنما أسوقه على جهة التنبيه على ما فيه أو بعض ما فيه بحسب ما يقع لي فوقتا أورد ذلك بطريق الحصر بحيث أني لا أترك في المنزل علما إلا نبهت عليه ووقتا أقصر عن ذلك والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
الباب الثامن والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل عقبات السويق وهو من
الحضرة المحمدية
الفتح فتحان في المعنى وفي الكلم . . . فمن تكمل يدعى جامع الحكم
ولو تسافل في الأكوان منزله . . . كان العلو له في حضرة الكلم
هو المقدم في المعنى برتبته . . . في عالم النور لا في عالم الظلم
لا تحقرن عباد الله أن لهم . . . حظا من الله ذي الآلاء والنعم
Halaman 144