Futuhat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Penerbit
دار إحياء التراث العربي
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1418هـ- 1998م
Lokasi Penerbit
لبنان
كان حيا ثم ميتا ثم من . . . بعد موت عاد حيا فبعث اعلم وفقك الله أن رجال الله ثلاثة لا رابع لهم رجال غلب عليهم الزهد والتبتل والأفعال الطاهرة المحمودة كلها وطهروا أيضا بواطنهم من كل صفة مذمومة قد ذمها الشارع غير أنهم لا يرون شيئا فوق ما هم عليه من هذه الأعمال ولا معرفة لهم بالأحوال ولا المقامات ولا العلوم الوهبية اللدنية ولا الأسرار ولا الكشوف ولا شيئا مما يجده غيرهم فهؤلاء يقال لهم العباد وهؤلاء إذا جاء إليهم أحد يسألهم الدعاء ربما انتهزه أحدهم أو يقول له أي شيء أكون أنا حتى أدعو لك وما منزلتي حذرا أن يتطرق إليهم العجب وخوفا من غوائل النفس لئلا يدخله الرياء في ذلك وإن كان منهم أحد يشتغل بقراءة فكتابه مثل الرعاية للمحاسبي وما جرى مجراه والصنف الثاني فوق هؤلاء يرون الأفعال كلها لله وأنه لا فعل لهم أصلا فزال عنهم الرياء جملة واحدة وإذا سألتهم في شيء مما يحذره أهل الطريق يقولون أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ويقولون قل الله ثم ذرهم وهم مثل العباد في الجد والاجتهاد والورع والزهد والتوكل وغير ذلك غير أنهم مع ذلك يرون أن ثم شيئا فوق ما هم عليه من الأحوال والمقامات والعلوم والأسرار والكشوف والكرامات فتتعلق هممهم بنيلها فإذا نالوا شيئا من ذلك ظهروا به في العامة من الكرامات لأنهم لا يرون غير الله وهم أهل خلق وفتوة وهذا الصنف يسمى الصوفية وهم بالنظر إلى الطبقة الثالثة أهل رعونة وأصحاب نفوس وتلامذتهم مثلهم أصحاب دعاوى يشمرون على كل أحد من خلق الله ويظهرون الرياسة على رجال الله والصنف الثالث رجال لا يزيدون على الصلوات الخمس إلا الرواتب لا يتميزون عن المؤمنين المؤدين فرائض الله بحالة زائدة يعرفون بها يمشون في الأسواق ويتكلمون مع الناس لا يبصر أحد من خلق الله واحدا منهم يتميزون عن العامة بشيء زائد من عمل مفروض أو سنة معتادة في العامة قد انفردوا مع الله راسخين لا يتزلزلون عن عبوديتهم مع الله طرفة عين ولا يعرفون للرياسة طعما لاستيلاء الربوبية على قلوبهم وذلتهم تحتها قد أعلمهم الله بالمواطن وما تستحقه من الأعمال والأحوال وهم يعاملون كل موطن مما يستحقه قد احتجبوا عن الخلق واستتروا عنهم بستر العوام فإنهم عبيد خالصون مخلصون لسيدهم مشاهدون إياه على الدوام في أكلهم وشربهم ويقظتهم ونومهم وحديثهم معه في الناس يضعون الأسباب مواضعها ويعرفون حكمتها حتى تراهم كأنهم الذي خلق كل شيء مما تراهم من إثباتهم الأسباب وتحضيضهم عليها يفتقرون إلى كل شيء لأن كل شيء عندهم هو مسمى الله ولا يفتقر إليهم في شيء لأنه ما ظهر عليهم من صفة الغنى بالله ولا العزة به ولا أنهم من خواص الحضرة الإلهية أمر يوجب افتقار الأشياء إليهم وهم يرون كون الأشياء لا تفتقر إليهم ويفتقرون إليها كون الله قال للناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد فهم وإن استغنوا بالله فلا يظهرون بصفة يمكن أن يطلق عليهم منها الاسم الذي قد وصف الله نفسه به وهو الاسم الغني وأبقوا لأنفسهم ظاهرا وباطنا الاسم الذي سماهم الله به وهو الفقير وقد علموا من هذا أن الفقر لا يكون إلا إلى الله الغني ورأوا الناس قد افتقروا إلى الأسباب الموضوعة كلها وقد حجبتهم في العامة عن الله وهم على الحقيقة ما افتقروا في نفس الأمر إلا إلى من بيده قضاء حوائجهم وهو الله قالوا فهنا قد تسمي الله بكل ما يفتقر إليه في الحقيقة والله لا يفتقر إلى شيء فلهذا افتقرت هذه الطائفة إلى الأشياء ولم تفتقر إليهم الأشياء وهم من الأشياء والله لا يفتقر إلى شيء ويفتقر إليه كل شيء فهؤلاء هم الملامية وهم أرفع الرجال وتلامذتهم أكبر الرجال يتقلبون في أطوار الرجولية وليس ثم من حاز مقام الفتوة والخلق مع الله دون غيره سوى هؤلاء فهم الذين حازوا جميع المنازل ورأوا أن الله قد احتجب عن الخلق في الدنيا وهم الخواص له فاحتجبوا عن الخلق لحجاب سيدهم فهم من خلف الحجاب لا يشهدون في الخلق سوى سيدهم فإذا كان في الدار الآخرة وتجلى الحق ظهر هؤلاء هناك لظهور سيدهم فمكانتهم في الدنيا مجهولة العين فالعباد متميزون عند العامة بتقشفهم وتبعدهم عن الناس وأحوالهم وتجنب معاشرتهم بالجسم فلهم الجزاء والصوفية متميزون عند العامة بالدعاوى وخرق العوائد من الكلام على الخواطر وإجابة الدعاء وإلا كل من الكون وكل خرق عادة لا يتحاشون من إظهار شيء مما يؤدي إلى معرفة الناس به قربهم من الله فإنهم لا يشاهدون في زعمهم إلا الله وغاب عنهم علم كبير وهذا الحال الذي هم فيه قليل السلامة من المكر والاستدراج والملامية لا يتميزون عن أحد من خلق الله بشيء فهم المجهولون حالهم حال العوام واختصوا بهذا الاسم لأمرين الواحد يطلق على تلامذتهم لكونهم لا يزالون يلومون أنفسهم في جنب الله ولا يخلصون لها عملا تفرح به تربية لهم لأن الفرح بالأعمال لا يكون إلا بعد القبول وهذا غائب عن التلامذة وأما الأكابر فيطلق عليهم في ستر أحوالهم ومكانتهم من الله حين رأوا الناس إنما وقعوا في ذم الأفعال واللوم فيما بينهم فيها لكونهم لم يروا الأفعال من الله وإنما يرونها ممن ظهرت على يده فناطوا اللوم والذم بها فلو كشف الغطاء ورأوا أن الأفعال لله لما تعلق اللوم بمن ظهرت على يده وصارت الأفعال عندهم في هذه الحالة كلها شريفة حسنة وكذلك هذه الطائفة لو ظهرت مكانتهم من الله للناس لاتخذوهم آلهة فلما احتجبوا عن العامة بالعادة انطلق عليهم في العامة ما ينطلق على العامة من الملام فيما يظهر عنها مما يوجب ذلك وكأن المكانة تلومهم حيث لم يظهروا عزتها وسلطانها فهذا سبب إطلاق هذا اللفظ في الاصطلاح عليهم وهي طريقة مخصوصة لا يعرفها كل أحد انفرد بها أهل الله وليس لهم في العامة حال يتميزون بها واعلم أن الحكيم من العباد هو الذي ينزل كل شيء منزلته ولا يتعدى به مرتبته ويعطي كل ذي حق حقه لا يحكم في شيء بغرضه ولا بهواه لا تؤثر فيه الأعراض الطارئة فينظر الحكيم إلى هذه الدار التي قد أسكنه الله فيها إلى أجل وينظر إلى ما شرع الله له من التصرف فيها من غير زيادة ولا نقصان فيجري على الأسلوب الذي قد أبين له ولا يضع من يده الميزان الذي قد وضع له في هذا الموطن فإنه إن وضعه جهل المقادير فإما يخسر في وزنه أو يطفف وقد ذم الله الحالتين وجعل تعالى للتطفيف حالة تخصه يحمد فيها التطفيف فيطفف هناك على علم فإنه رجحان الميزان ويكون مشكورا عند الله في تطفيفه فإذا علم هذا ولم يبرح الميزان من يديه لم يخط شيئا من حكمة الله في خلقه ويكون بذلك أمام وقته فأول ما يزن به الأحوال في هذا الموطن فإن اقتضى وزنه للحال إظهارا لحق عباده وتعريف الخلق به عرفهم وذلك في الموطن الذي لا يؤدي ذكره إلى أذى الله ورسوله فإن الله قد وصف نفسه بأنه يؤذي فقال إن الذين يؤذون الله وهذا الذي اقتضى له اسم الصبور والاسم الحليم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس شخص أصبر علي أذى من الله وقد كذب وتم أخبر الله بذلك في الصحيح من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه فقال كذبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك وشتمني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك وهذا القول إنما تكلم به الاسم اللطيف ولهذا أكسبه هذا اللطف في العتب في دار الدنيا ووقع به التعريف ليرجع المكذب عن تكذيبه والشاتم عن شتمه فإنه موطن الرجوع والقبول منه والآخرة وإن كانت موطن الرجوع ولكن ليست موطن موطن قبول فمن الميزان أن لا يعرض الحكيم بذكر الله ولا بذكر رسوله ولا أحد ممن له قدر في الدين عند الله في الأماكن التي يعرفها هذا الحكيم إذا ذكر الله فيها أو رسوله أو أحد ممن اعتنى الله به كالصحابة عند الشيعة فإن ذلك داع إلى ثلب المذكور وشتمه وإدخال الأذى في حقه ففي مثل هذا الموطن لا يذكره ألا تراه صلى الله عليه وسلم قد نهانا أن نسافر بالقرآن الذي هو المصحف إلى أرض العدو فإنه يؤدي ذلك إلى التعرض لإهانته وعدم حرمته مما يطرأ عليه ممن لا يؤمن به فإنه عدو له وهذا مقام الملامي لا غيره فالشريعة كلها هي أحوال الملامية سئلت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت رضي الله عنها كان خلقه القرآن ثم تلت قوله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم فالأصل الإلهي الذي استندت إليه هذه الطائفة هو ما ذكرناه من أن الحق سبحانه يجب لجلاله من التعظيم والكبرياء ما تستحقه الألوهة ومع هذا فانظر موطن الدنيا ما اقتضاه في حق الحق من دعوى العبيد فيها الربوبية ومنازعة الحق في كبريائه وعظمته فقال فرعون أنا ربكم الأعلى وتكبر وتجبر وسبب ذلك أن الموطن اقتضى أن ينحجب الخلق عن الله إذ لو أشهدهم نفسه في الدنيا لبطل حكم القضاء والقدر الذي هو علم الله في خلقه بما يكون عنهم وفيهم فكان حجابه رحمة بهم وإبقاء عليهم فإن تجليه سبحانه يعطي بذاته القهر فلا يتمكن معه دعوى فلما كانت الألوهية تجري بحكم المواطن كان هذا الأصل الإلهي مشهود الملامية إذ كانوا حكماء علماء فقالوا نحن فروع هذا الأصل إذ كان لكل ما يكون في العالم أصل إلهي ولكن ما كل أصل إلهي يكون في حق العبد إذا اتصف به محمودا فإن الكبرياء أصل إلهي بلا شك ولكن إن اتصف به العبد وصير نفسه فرعا لهذا الأصل واستعمله باطنا فإنه مذموم بكل وجه بلا خلاف ولكن إن استعمله ظاهرا في موضع خاص قد عين له وأبيح له فيه استعماله صورة ظاهرة لا روح لها منه كان محمود النفس الصورة ولهذا رأت الطائفة أن خرق العوائد واجب سترها على الأولياء كما أن إظهارها واجب على الأنبياء لكونهم مشرعين لهم التحكم في النفوس والأموال والأهل فلا بد من دليل يدل على أن التحكم في ذلك لرب المال والنفس والأهل فإن الرسول من الجنس فلا يسلم له دعواه ما ليس له بأصل إلا بدليل قاطع وبرهان والذي ليس له التشريع ولا التحكم في العالم بوضع الأحكام فلأي شيء يظهر خرق العوائد حين مكنه الله من ذلك ليجعلها دلالة له على قربه عنده لا لتعرف الناس ذلك منه فمتى أظهرها في العموم فلرعونة قامت به غلبت عليه نفسه فيها فهي إلى المكر والاستدراج أقرب منها إلى الكرامة فالملامية أصحاب العلم الصحيح في ذلك فهم الطبقة العليا وسادات الطريقة المثلى والمكانة الزلفى في العدوة الدنيا والعدوة القصوى ولهم اليد البيضاء في علم المواطن وأهلها وما تستحق أن تعامل به ولهم علم الموازين وأداء الحقوق وكان سلمان الفارسي من أجلهم قدرا وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام وهو المقام الإلهي في الدنيا ويتضمن هذا المنزل من العلوم هذا العلم وهو علم الحكمة ويتضمن علم المواقف وعلم الحساب وعلم الظن وعلم الإهمال والفرق بينه وبين الإمهال الذي يطلبه الاسم الحكيم وعلم السابقة إلى المعاصي والمخالفات وهل يكون للإنسان المخالفة عين الموافقة وإن كانت فهل تثمر له هذه المخالفة بهذه المثابة وسرعته إلى فعلها قربة عند الله وهل تحجب المقرب ولا بد وإن سارع إليها عند مباشرة الفعل المخالف للحكم المشروع عن الحكم المشروع فيه أو لا يحجب وإما أن يكون قربة ذلك الفعل المخالف ولكن قد يكون مقر بالأقربة وهو علم كبير لا يعرفه من أهل طريقنا إلا قليل فإن غوره بعيد وميزانه خفي دقيق ما في الموازين أخفى منه وإلا كثر من أهل طريق الله ما شاهده ولا رآه وإن قيل له أنكره فما ظنك بعلماء الرسوم فما ظنك بالعامة وأما أكابر الحكماء من الفلاسفة فأنكروه جملة واحدة وسبب إنكارهم مع فضلهم وبعد غورهم أنهم لا يقولون بالاختصاص كما نقول نحن بل الأمور عندهم كلها مكتسبة بالاستعداد فمن هنا خفي عليهم هذا العلم وغيره مما يتعلق بالاختصاص ومن علوم هذا المنزل علم السبب الذي أدى القائلين إلى إنكار الدار الآخرة الحسية والمعنوية فإنهم طائفتان بلا شك طائفة تنكر الحس الآخروي وطائفة تنكره معنى وحسا ومن علومه علم أحوال الموت ولماذا يرجع وما حقيقته وذبحه وصورته في عالم التمثيل كبشا أملح ومكان ذبحه ولمن تنتقل حياته إذا ذبح وعلم التجلي الموجب لكسوف الكواكب المعنوية والحسية وعلم حضرة الجمع بين العبد والرب ومن هذه الحضرة ظهر القائلون بالاتحاد والحلول فإنها حضرة علم تزل فيها الأقدام فإن الشبهة فيه قوية لا يقاومها دليل مركب وعلم الأسفار ولنا فيه جزء سميناه الأسفار عن نتائج الأسفار يتضمن من العلم الإلهي ونسبة هذا الحكم الإلهي إليه ومن العلم الكوني ونسبة هذا الحكم الإلهي معنى وحسا شيئا كثيرا ومن علوم هذا المنزل الإلهي أيضا لأي اسم إلهي ترجع الناس يوم القيامة وعلم السبب الذي لأجله يسأل العالم غيره عما يعلمه وسبب جحد العالم ما يعلمه إذا سئل عن العلم به وعلم كشف الإنسان ما في نفس الملك وهل هو من علم الستر أو الظهور أو منه ما يكون من علم الستر بوجه ومن علم الظهور بوجه وعلم الأدب وعلم الإقتداء وعلم السبب الموجب لإيثار الدنيا على الآخرة مع ما فيها من الغموم والإنكار الحسية والمعنوية وعلم الرؤية في الدار الآخرة وهل هي جائزة أو محال سواء كانت رؤية بصيرة أو بصر وهل الرؤية محلها حقيقة الرائي أو العين المعتاد المعروف وهل الرؤية حكم أو معنى وجودي وهل هي عين الرائي أو غيره كالصفة له وعلم حال النفوس بعد الموت وعلم الآخرة المعجلة والدنيا المؤجلة وعلم الإقبال والإعراض وعلم الوعيد والتقرير وعلم الاقتدار وهذا القدر كاف في هذا المنزل والله يقول الحق وهو يهدي السبيلل الرؤية حكم أو معنى وجودي وهل هي عين الرائي أو غيره كالصفة له وعلم حال النفوس بعد الموت وعلم الآخرة المعجلة والدنيا المؤجلة وعلم الإقبال والإعراض وعلم الوعيد والتقرير وعلم الاقتدار وهذا القدر كاف في هذا المنزل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
Halaman 38