Futuhat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Penerbit
دار إحياء التراث العربي
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1418هـ- 1998م
Lokasi Penerbit
لبنان
وهذه طريقة أغفلها أهل طريقنا ورأوا أن الغنى بالله تعالى من أعظم المراتب وحجبهم ذلك عن التحقق بالتنبيه على الفقر إلى الله الذي هو صفتهم الحقيقية فجعلوها في الغنى بالله بحكم التضمين لمحبتهم في الغنى الذي هو خروج عن صفتهم والرجل إنما هو من عرف قدره وتحقق بصفته ولم يخرج عن موطنه وأبقى على نفسه خلعة ربه ولقبه واسمه الذي لقبه به وسماه فقال أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد فلرعونة النفس وجهالتها أرادت أن تشارك ربها في اسم الغني فرأت أن تتسمى بالغنى بالله وتتصف به حتى ينطلق عليها اسم الغني وتخرج عن اسم الفقير فانظر ما بين الرجلين وما رأيت أحدا من أهل طريقنا أشار إلى ما ذكرناه أصلا من غوائل النفوس المبطونة فيها إلا الله تعالى فهو الذي نبه عباده عليها وبعد هذا فما سمعوا وتعاموا وكم جهدت أن أرى لأحد في ذلك تنبيها عليه فما وجدت وأسأل من الله تعالى أن لا يجعلنا ممن انفرد بها وأن يشاركنا فيها إخواننا من العارفين وأما أصحابنا فإنهم أخذوها عنا وتحققوا بها في نفوسهم وما بقي عليهم فيها إلا التخلق بها وأن تكون صفتهم دائما ولكن بعد أن عرفنا أولادنا فعرفوا هذه المرتبة وتنبهوا إلى ما جهل الناس من العارفين من ذلك فقد حصل لهم خير كثير منعهم هذا القدر أن يسيئوا الأدب مع الله تعالى ومن إساءة الأدب في طريق الله تعالى وهو مما يستدرج الله به العارفين عزة الشيوخ على أتباعهم من المريدين بما افتقروا إليهم فيه من التربية وامتيازهم عنهم فإن الشيخ إذا لم يوف هذا المقام حقه يحجبه فقر المريد إليه عن فقره إلى ربه حالا ويكون مشهده عند ذلك غناه بالله والغنى بالله يطلب العزة وحال المحقق صاحب هذا المقام إذا رأى المريدين يفتقرون إليه فيما عنده من الله شكر الله على ذلك حيث ألزم الله به فقراء إليه يثبتونه بصفة فقرهم إليه على فقره إلى الله تعالى فإنه ربما لو لم يظهر صفة فقرهم إليه نسي فقره إلى الله تعالى فهكذا هو حال الشيخ المحقق فينظر هذا الشيخ المريدين المفتقرين إليه بعين من يثبته على طريقه لئلا تزل به القدم فيه فهو كغريق وجد من يأخذ بيده كيف يكون حب ذلك الغريق فيه حيث أمسك عليه حياته فيرى هذا الشيخ حق المريد عليه أعظم من حقه على المريد فالمريد هو شيخ الشيخ بالحال والشيخ هو شيخ المريد بالقول والتربية وإن كنت عاقلا فقد نبهتك على الطريق الأنفس فاعمل عليه فما أبقيت لك في النصيحة ولنا :
أنا عبد والذل بالعبد أولى . . . لا أراني للعز بالحق أهلا
فانظروني فكلما قلت قولا . . . كان قولي حالا وعقدا وفعلا
Halaman 22