419

ألا تسمع كيف يقول سبحانه: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن

نقدر عليه}[الأنبياء:87]، وهو فلم يظن ذلك بل أيقن أن الله عز وجل يقدر عليه، وقال عز وجل: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها}[الكهف:53]، ولم يظنوا ولكن أيقنوا، ويقول القائل: عسى أن تأكل، وإنما يريد نأكل، فأدخل عسى فصارت شكاه وليست بشك وإنما أراد يقينا، وهذا في اللغة كثير موجود.

[تفسير قوله تعالى: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك...الآية]

وسألت: عن قول الله سبحانه: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك}[يونس:94].

قال محمد بن يحيى عليه السلام: ليس رسول الله صلى الله عليه وآله في شك مما أنزل إليه بل هو على أيقن يقين، ولم يقل الله سبحانه أنه في شك، وإنما قال إن كنت في شك، وليس هو عليه السلام في شك بل هو على بصيرة ثابتة، وعزيمة ماضية بعيدة من الشك والارتياب، وليس يظن أحد أن رسول الله صلى الله عليه كان في شك إلا أعمى القلب بعيد الذهن كثير الجهل.

وهذه المخاطبة في لغة العرب تستعملها وتتكلم بها ويخاطب بعضهم بعضا فيها وبها يقول القائل: إن كنت في شك من قطع هذا السيف فيك فجرب، وهو فلا يشك بل يوقن ويقول لصاحبه: آتنا غداءنا عسى أن نأكل، فأدخل عسى لمجاز الكلام، وإنما أراد أن نأكل، ولم يكن شاكا في ذلك بل كان قصده له، قال الله سبحانه: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه}[الأنبياء:87]، ولم يظن عليه السلام أن الله عز وجل لا يقدر عليه بل هو موقن بقدرة الله عز وجل ونفاذ أمره، وقد يخرج {فظن} على الاستفهام كما يقول القائل: لم باع فلان طعامه وترك نفسه أظن أنه لا يحتاج إلى الأكل، وهو فلم يظن ذلك.

وهذا مما تعارفه العرب في لغتها وتجيزه في كلامها.

Halaman 426