في بادئ الأمر، لم يرغب كريبس الذي شهد معارك بيلو وود وسواسون وشامبين وسان مييل وأرجون، في الحديث عن الحرب إطلاقا. بعد ذلك شعر بالحاجة إلى الحديث، لكن أحدا لم يرغب في سماع شيء عنها. لقد سمع أهل مدينته الكثير والكثير من قصص الحرب الوحشية؛ فما كان من الممكن أن تثيرهم الحقائق. وجد كريبس أن عليه أن يكذب كي يجد آذانا تستمع إليه أصلا، وبعد أن فعل ذلك مرتين، وجد أنه، هو أيضا، لديه رد فعل معاد للحرب ومعاد للحديث عنها. كره كل ما حدث له في إطار الحرب بسبب الأكاذيب التي رواها. كل المرات التي كانت قادرة على منحه الشعور بالهدوء والصفاء من داخله حين كان يفكر فيها - المرات البعيدة التي كان قد فعل فيها بسهولة وتلقائية، الشيء الوحيد؛ الشيء الوحيد الذي كان يمكن لرجل أن يفعله حين كان من الممكن أن يفعل شيئا آخر - قد فقدت الآن روعتها وقيمتها الثمينة، ثم فقدت هي نفسها بعد ذلك.
كانت أكاذيبه هينة إلى حد كبير، وقد تمثلت في أنه كان يعزو لنفسه فعل أشياء قد رآها آخرون أو فعلوها أو سمعوا بها، وأنه كان يذكر أحداثا مألوفة لجميع الجنود على أنها حقائق رغم أنها كان يشك في صحتها. حتى أكاذيبه لم تكن مثيرة في قاعة البلياردو. إن معارفه الذين سمعوا حكايات مفصلة عن نساء ألمانيات كان يعثر عليهن مقيدات في المدافع الرشاشة في غابة أرجون، والذين لم يستطيعوا فهم إمكانية وجود رماة ألمان غير مقيدين في مدافعهم الرشاشة، أو منعهم حسهم الوطني من أن يهتموا بأمرهم؛ لم تشوقهم قصصه.
صار كريبس يشعر بالتقزز تجاه التجارب التي تنتج عن الكذب أو المبالغة، وحين كان يلتقي في بعض الأحيان برجل آخر كان جنديا بالفعل ويتحدثان لبضع دقائق في غرفة الملابس بإحدى حفلات الرقص، كان يتخذ مرة أخرى الوضعية البسيطة للجندي القديم بين الجنود الآخرين؛ وهي أنه يكون مرتعبا للغاية وبشكل مثير للغثيان طوال الوقت. وبهذه الحال، فقد كل شيء.
خلال هذا الوقت، كان الصيف في أواخره، وكان هو ينام في سريره حتى وقت متأخر، ثم يستيقظ ليذهب إلى وسط المدينة حيث المكتبة ليحضر كتابا، ويتناول الغداء في المنزل، ثم يقرأ في الشرفة الأمامية إلى أن يمل ثم يسير عبر المدينة كي يقضي الساعات الأشد حرارة من اليوم في الظلام البارد في قاعة البلياردو. كان يحب لعب البلياردو.
في المساء، كان يمارس العزف على آلة الكلارينت الخاصة به، ويتمشى في وسط المدينة، ثم يقرأ ويذهب إلى النوم. كان ما يزال بطلا في عيون أختيه الصغيرتين. وكانت أمه تقدم له الإفطار في السرير لو أنه أراد ذلك. وكانت تأتي إليه كثيرا وهو في السرير وتطلب منه أن يحدثها عن الحرب، لكن انتباهها كان يتشتت دائما. أما والده، فكان لا يبالي بشيء.
قبل أن يرحل كريبس إلى الحرب، لم يكن يسمح له إطلاقا بقيادة سيارة الأسرة. كان والده يعمل في مجال العقارات، وكان يرغب في أن تكون السيارة متاحة له دائما حين يحتاج إليها ليصطحب الزبائن إلى الريف كي يعرض عليهم إحدى المزارع. كانت السيارة تقف دائما خارج مبنى فيرست ناشونال بانك، حيث كان والده يمتلك مكتبا في الطابق الثاني. والآن، بعد الحرب، كانت هي السيارة ذاتها.
لم يتغير شيء في المدينة سوى أن الفتيات الصغيرات قد كبرن. غير أنهن كن يعشن في ذلك العالم المعقد من الصداقات المحددة بالفعل والعداوات المتغيرة، والذي لم يكن كريبس يمتلك الطاقة ولا الشجاعة لاقتحامه. كان يحب النظر إليهن بالرغم من ذلك. كان هناك الكثير جدا من الشابات الجميلات. وكانت الغالبية العظمى منهن قصيرات الشعر. حين رحل، كانت الفتيات الصغيرات أو المتمردات فقط هن اللائي يصففن شعورهن بتلك الطريقة. كن جميعا يرتدين السترات والقمصان النسائية ذات الياقات المستديرة الكبيرة. لقد كان ذلك نمطا سائدا. كان يحب النظر إليهن من الشرفة الأمامية وهن يمشين على الجانب الآخر من الشارع. كان يحب النظر إليهن وهن يسرن تحت ظلال الأشجار. كان يحب الياقات المستديرة فوق ستراتهن. كان يحب جواربهن الحريرية وأحذيتهن المسطحة. كان يحب شعورهن القصيرة، وطريقة مشيتهن.
حين كان في المدينة لم يكن إعجابه بهن قويا للغاية. لم يعجب بهن حين رآهن في المتجر اليوناني للآيس كريم. لم يكن يرغب فيهن في حقيقة الأمر. كن معقدات للغاية. كان ثمة شيء آخر. فعلى نحو غامض، كان يرغب في أن يصاحب فتاة، لكنه لم يكن يرغب في أن يضطر إلى السعي ليفوز بها. كان يحب أن تكون له فتاة، لكنه لم يكن يرغب في قضاء وقت طويل للحصول عليها. لم يكن يرغب في أن يدخل في مناورات ومؤامرات حتى يفوز بها. لم يكن يرغب في أن يضطر إلى مغازلتها على الإطلاق. لم يكن يرغب في ترديد المزيد من الأكاذيب. لم يكن الأمر يستحق.
لم يكن يرغب في أية عواقب. لم يكن يرغب في أية عواقب بعد ذلك على الإطلاق. كان يرغب في أن يعيش دون عواقب، ثم إنه لم يكن يحتاج إلى فتاة في حقيقة الأمر. لقد علمه الجيش ذلك. لم يكن هناك من بأس في أن تتظاهر بأنك تحتاج فعلا إلى أن تكون لديك فتاة. كان الجميع تقريبا يفعلون ذلك، لكنه لم يكن صحيحا. إن المرء لا يحتاج إلى فتاة. إن ذلك هو الأمر الطريف. في البداية، يتباهى أحدهم بأن الفتيات لا يعنين أي شيء له على الإطلاق، وبأنه لم يفكر فيهن قط، وبأنهن لا يستطعن لمسه. وبعد ذلك، يتباهى بأنه لا يستطيع العيش دون الفتيات، وبأنه لا بد أن تكون له فتاة على الدوام، وبأنه لا يستطيع أن يخلد إلى النوم دون فتاة.
كل ذلك كذب. إنه كذب في الحالتين. إنك لا تحتاج إلى فتاة ما لم تفكر في الفتيات. لقد تعلم ذلك في الجيش. وعاجلا أم آجلا، سيكون لديك فتاة. وحين تكون مستعدا بالفعل لأن يكون لديك فتاة، ستعثر دائما على واحدة. أنت لا تحتاج إلى أن تفكر في الأمر. وعاجلا أو آجلا، سيتحقق الأمر. كان قد تعلم ذلك في الجيش.
Halaman tidak diketahui