Fayd Khatir Bahagian Pertama
فيض الخاطر (الجزء الأول)
Genre-genre
في الصحف والمجلات عيوب لا تصلحها إلا الكتب، ذلك أن الصحف والمجلات بحكم ديمقراطيتها وملابستها للجمهور ومراعاتها أكبر عدد ممكن من المثقفين، تضطر إلى تخفيف ما يتقطر من المعلومات إلى الشعب، فهي إن صلحت غذاء للعقول البسيطة والعقول المثقفة ثقافة واسعة غير عميقة، فلا تكفي وحدها للعقول القوية والعقول الشرهة والعقول التي تحترف هضم الأفكار وتتطلب دائما أفكارا جديدة وأفكارا عميقة، وتتطلب أن تلم بالشيء من جميع نواحيه، وبالنظريات في أطوارها المختلفة، وهي لا تجد ذلك إلا في الكتب.
خير للأمم أن تظل هذه الحرب قائمة أبدا، وأن يكون النصر سجالا أبدا، وألا ينتصر أحدهما انتصارا يبيد الآخر؛ فذلك أدعى أن يدخل أرباب الصحف والمجلات التحسينات على صحفهم ومجلاتهم دائما، وأن يتملق مؤلفو الكتب العقول بوضع مؤلفاتهم في شكل سائغ وأسلوب مقبول.
إلى أخي الزيات1
سعيت أمس لعزائك، في «رجائي» و«رجائك»، فرأيتك واجما ساهما، والها مدلها، فانعقد لساني، وتخلف ذهني، وفاض دمعي.
وكيف أستطيع عزاءك وما استطعت أن أعزي نفسي؛ أو كيف أستطيع أن أخفف ما بك وما استطعت أن أخفف حزني؟
رأيت بك كمدا باطنا، وحزنا مكتمنا، فعلمت أنك تتجرع غصص الهم، وتختزن برحاء الكرب، فتمنيت أن تخفف عنك بصرخة، وتنفس عن نفسك بدمعة، ولكن عز الصبر وعز الدمع، فما هي إلا زفرات تذيب لفائف القلوب وتنفطر لها المراثر.
وا رحمتاه لك! لقد كان «رجاء» قبلة رجائك، ومعقد آمالك، وحديث أحلامك، وملء سمعك وبصرك، تشوفته حياتك، وترقبته مطلع شبابك، حتى جاد به الزمان البخيل، فربطت أسبابك بأسبابه، وتطقت بأهدابه ، فلما شمت مخايله، ورقبت منه النجح، عدا عليه الدهر الذي لا يرعى ميثاقا، ولا يثبت على عهد، فأخلف ظلك، ونقض أملك، فإذا الدنيا أضغاث أحلام، ووساوس أطماع.
ولكن يا أخي - ما الجزع مما لا بد منه، وما الهلع مما قدر، ومثلك من يعرف مقدار الحياة وهونها؟ أفليست إلا مرسحا تمثل عليه أدوار مختلفة، مرة مهزلة، ومرة مأساة، ونحن في حين ممثلون، وفي حين ناظرون. وليس لنا أن نبالغ في الألم، ونغلو في الجزع؛ فقد كان يكون لذلك وجه من الحق لو ذهب من ذهب أبدا، وعشنا بعده أبدا، وإنما الأمر دور يعقب دورا، ولا حق منا إثر سابق، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأي سعادة نجدها في هذه الحياة حتى نحزن على الراحل، ونبكي على الميت ونود أن لو بقي ليستمتع بها، ويتذوق طيباتها؟ إنما هي سلسلة عناء، وضروب شقاء، تنوعت ألوانها، واتحدت حقيقتها. ولو أنصفنا لغبطنا من مات، وأشفقنا على من بقي، ومن مات في صباه فقد اختصر الحياة واختصر همومها وأحزانها، ووفر على نفسه عبثا ثقيلا ينتهي مختصره بما ينتهي به مطوله، وخير للزهرة أن تذهب وهي ناضرة تعجب الناس، من أن تذهب، وهي ذابلة يعافها الناس.
فخذ الحياة كما هي، ليل ينقضي في إثر ليل، وقوم في إثر قوم، وحادث يستذرف الدمع، يعقبه حادث يخفف الهم، وقل كما قالت الخنساء:
Halaman tidak diketahui