Fayd Khatir Bahagian Pertama
فيض الخاطر (الجزء الأول)
Genre-genre
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى .
ليس فيها قصور شامخة بجانب أكواخ وضيعة، وليس فيها ثريات كهربائية بجانب أضواء زيتية أو غازية، ولا ملابس أنيقة بجانب أثواب مهلهلة؛ يصعب عليك التمييز فيها بين الغني والفقير، والعالم والجاهل، إلا في الآنسات والسيدات، فهن يأبين إلا الظهور، والتمسك بالفروق، وإلا في أمثالهن ممن حليتهن لباسهم، وقيمتهم مظهرهم.
خلف فيها الناس وراءهم المخترعات الحديثة بجلبتها ورذائلها؛ فلا سيارات تصم الآذان بأبواقها، وتأنف الأنوف من روائحها، وتربك السائرين لسرعتها وكثرتها واضطراب حركاتها؛ ولا «تليفون» يرن في الهجير وفي منتصف الليل، فيوقظك من نومك الهادىء، ويحملك رجاء تنوء بحمله، أو يصلك بثقيل ينغص عليك الحياة بحديثه؛ ولا «راديو» يسمعك اللطيف والسخيف، ويأبى عليك النوم أحوج ما تكون إليه، وأشد ما تكون الرغبة فيه؛ لأن جيرانك يأبون إلا أن ينتفعوا به كاملا من بدء يمين - شمال، إلى سلام الختام؟ •••
حياة حرة طليقة، وجو مفتوح، وهواء جديد دائما، لم تفسده الحضارة بدخانها وغازاتها، ولم تحبسه الأبنية الشامخة، ولم تحجزه الحيطان الأربعة؛ تتجدد النفس بتجدده، وتمتلىء نشاطا من نشاطه؛ يغذي كل خلية غذاء حلوا طيبا، ويخلع على الجسم لونا نجاشيا ظريفا، وينعش العواطف والروح، فهي قوية حادة، شديدة التنبه، شديدة الإحساس؛ حتى عاطفة الدين، فهي أقوى ما تكون، وأطهرها ما تكون، وأصفى ما تكون، حينما تتجلى الطبيعة في ثوبها النظري الجميل، في السماء والماء والمزارع والحقول؛ فليس الإلحاد والزندقة، والتعصب الذميم، وضيق النظر، إلا وليد الحضارة المعقدة، والجو الخانق، والفكر الراكد، ودوران الفكر حول نفسه لا حول الطبيعة.
في جو المدن لا يشعر الإنسان بالسماء إلا عند المطر، ولا بجمال الشمس، ولا جمال القمر؛ ولا يلمس الطبيعة إلا إذا ساءت من شدة الحر أو شدة البرد! كل ما حوله من جمال جمال صناعي؛ قد استغنى بجمال طاقات الزهور عن الزهور في منابتها، وجمال الطبيعة، وجمال الخلقة؛ وهيهات أن يتساوى منتحل وغير منتحل، فليس التكحل في العينين كالكحل!
إنما يشعر الإنسان بجمال الطبيعة يوم يخرج من المدينة إلى الريف ويفر من الحضر إلى البدو، فينكشف له الخلق بجماله القشيب، وتأخذ بلبه السماء في لا نهائيتها، والبحار في أبديتها؛ ويشعر شعورا قويا بأنه ذرة من ذرات العالم، وجزء صغير من أجزائه، ضعيف بنفسه، قوي بكله، وأنه لا شيء يوم ينفصل عنه، وأنه نغمة من نغماته يوم يتصل به. •••
لوددت أني خلعت نفسي في المدينة يوم فارقتها، فقد سئمت نفسي وسئمتني ومللتها وملتني، وتمنيت أن تكون النفس كالثوب تخلعه حينا، وتلبسه حينا، ويبلى فتجدده، وتكرهه فتغيره؛ إذا لاستبدلت بنفسي - ولو إلى حين - نفسا مرحة، تستغرق في الضحك من الشيء التافه، ومن لا شيء، ولا تبكي على ما فات، ولا تحمل هما لما هو آت.
بل لتمنيت أن اكون كدودة القز تكون دودة حينا، ثم تكون فراشة حينا، أرشف من هذه الزهرة رشفة، ومن هذه رشفة، وأنشر جناحي في الشمس، أعيش في جمال وأغيب في جمال، كما تغيب الشمس الجميلة في الشفق الجميل، أو كما تفنى النغمة الحلوة في رنات الآلات، أو كما تنداح الابتسامة العذبة في الوجه الصبوح، أو كما تندمج الموجة العظيمة في البحر العظيم! ولكن أنى لي هذا؟ ولو كان لشكوت وبكيت، فأنا كما خلق المتنبي:
خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبى
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا •••
Halaman tidak diketahui