سفره، كما كان ﷺ يقول: "ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكبٍ قال في ظل شجرةٍ ثم راح وتركها" (١).
ثم من أهل هذا القسم مَنِ اقتصر من الدنيا على سدِّ رمقه فقط، وهو حال كثيرٍ من الزُّهَّاد، ومنهم من فسح لنفسه أحيانًا في تناول بعض مباحاتها، لتقوى النفس به وتنشط للعمل، ومنه خبر أحمد والنسائي: "حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب" (٢)، وخبر أحمد عن عائشة: (كان ﷺ يحب من الدنيا النساء والطيب والطعام، فأصاب من النساء والطيب ولم يصب من الطعام) (٣).
وتناولُ الشهوات المباحة بقصد التقوي على الطاعة يصيِّرها طاعات، فلا تكون من الدنيا، ومن ثم صح على ما قاله الحاكم: أنه ﷺ قال: "نعمت الدار الدنيا لمن تزوَّد منها لآخرته حتى يرضي ربه، وبئست الدار لمن صدَّت به عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه، وإذا قال العبد: قبَّح اللَّه الدنيا. . قالت الدنيا: قبَّح اللَّه أعصانا لربه" (٤).
ثم الحامل على الزهد أشياء:
منها: استحضار الآخرة ووقوفه بين يدي مولاه، فحينئذٍ يغلب شيطانَه وهواهُ، ويصرف نفسه عن لذات الدنيا ونعيمها، وشاهده: أن حارثة رضي اللَّه تعالى عنه لمَّا قال للنبي ﷺ: أصبحت مؤمنًا حقًا. . قال له: "إن لكل حقٍّ حقيقةً، فما حقيقة إيمانك؟ " قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي حجرها ومدرها، وكأنِّي انظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني انظر إلى أهل الجنة في الجنة يتنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون، قال: "يا حارثة، عرفت فالزم" (٥).
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٧٧)، والإمام أحمد (١/ ٤٤١) عن سيدنا ابن مسعود ﵁. قوله. (وقال): من القيلولة، وهي النوم في الظهيرة.
(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ١٢٨)، وسنن النسائي (٧/ ٦١) عن سيدنا أنس ﵁.
(٣) مسند الإمام أحمد (٦/ ٧٢).
(٤) المستدرك (٤/ ٣١٢) عن سيدنا طارق بن أشيم ﵁.
(٥) أخرجه البيهقي في "الشعب" (١٠١٠٦) عن سيدنا أنس ﵁ بنحوه.
1 / 505
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]