كلٌّ محتملٌ، لكن قضية الرواية الآتية المقتصرة على الأولى: الأول، ومقتضى العطف بواو الجمع هنا: الثاني، وعليه فالفعل إن وجد فيه الأمران كالزنا والربا. . فهو إثمٌ قطعًا، وإن انتفيا عنه فبِرٌّ قطعًا؛ كالعبادة، ونحو الأكل (١).
وإن وجد فيه أحدهما. . احتمل البر والإثم فيكون من المشتبه، على حد ما مر في خبر: "الحلال بينٌ، والحرام بينٌ، وبينهما مشتبهات. . . " الحديث (٢)، والذي يتجه: أنهما متلازمان؛ لأن تردد النفس (٣) يستلزم كراهة اطلاع الناس وعكسه.
وقضية عموم الحديث: أن مجرد خطورِ المعصيةِ والهمِّ بها إثمٌ؛ لوجود العلامتين فيه، لكنه مخصوصٌ بغير ذلك؛ لخبر: "إن اللَّه تجاوز لأمتي عمَّا وسوست به نفوسها ما لم تعمل به أو تَكَلَّم" (٤).
بل ربما يثاب نظير ما قيل له ﷺ: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن ينطق به، فقال: "ذاك صريح الإيمان" (٥) فكذلك من همَّ بزنًا مثلًا وحاك في نفسه، فنفرت منه لضربٍ من التقوى. . أُثيب على ذلك؛ لأنه حينئذٍ يصير من باب قوله تعالى في الحديث القدسي: "اكتبوها له حسنة؛ إنما تركها من أجلي" (٦).
أما العزم. . فهو إثمٌ؛ لوجود العلامتين فيه ولا مخصص يخرجه من عموم الحديث، بل خبر: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما. . فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول اللَّه؛ هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٧). . ظاهرٌ في ذلك؛ إذ ذلك الحرص المعلل الدخول به وحده مع قطع النظر عن الفعل المقترن به عزمٌ مجرَّد.
(رواه مسلم) وهو من جوامع كلمه ﷺ، بل من أوجزها؛ إذ
(١) في (ز) و(غ) زيادة: (ونحو الأكل بنية الإعانة على الطاعة).
(٢) انظر ما تقدم (ص ٢٣١) وهو الحديث السادس من أحاديث المتن.
(٣) في بعض النسخ: (لأن كراهة النفس).
(٤) أخرجه البخاري (٦٦٦٤)، ومسلم (١٢٧) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٥) أخرجه مسلم (١٣٢) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٦) أخرجه البخاري (٧٥٠١)، ومسلم (١٢٨) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٧) أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨) عن سيدنا أبي بكرة ﵁.
1 / 461
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]