أحدهما: أنه لا يتضح حينئذٍ معنى الشطرية إلا بادعاء أنه ينتهي تضعيف الأجر فيه إلى نصف الإيمان (١)، وهذا وإن قيل به إلا أنه يحتاج إلى دليل.
ثانيهما: أن الطهور لا ينحصر في الوضوء، بل يعم الغسل والتيمم والطهارة من الخبث، وليس واحدٌ من هذينِ النَّظَرينِ في محله؛ كيف ورواية ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه": "إسباغ الوضوء شطر الإيمان" (٢)، ورواية الترمذي: "والوضوء شطر الإيمان" (٣)؟ وحينئذٍ فيقال: يحتمل أن معناه: أنه تمام الشطر، لا أنه كل الشطر؛ لما مر.
أو المراد بالوضوء فيه: معناه اللغوي، وهو يرجع لمعنى الطهارة الذي قررناه أولًا، لكن يُعَكِّر عليه رواية: "إسباغ الوضوء" فإنها نصٌّ في أن المراد به: الوضوء الشرعي، فإن حُمل الطهور على الوضوء، والوضوء على معناه الشرعي، والشطر على مطلق الجزء. . اتضح هذا المقام، وزال الإشكال.
واستعمال الشطر في مطلق الجزء تجوزًا أَولى من إخراج الطهور والوضوء عن معناهما الشرعي الذي ذهب إليه الأكثرون، وفهمه منه مسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم حيث خرَّجوه في أبواب الوضوء.
فإن قلت: يُعَكِّر على تفسير الشطر بالخُمُس أو الجزء حديثُ أحمد: "والطهور نصف الإيمان" (٤).
قلت: النصف يطلق ويراد به أحد قسمي الشيء، فإن كل شيءٍ تحته نوعان، فأحدهما نصفٌ له وإن لم يتحد عددهما، ومنه حديث: "قسمت الصلاة -أي: قراءتها- بيني وبين عبدي نصفين" (٥) أي: نصفٌ عبادةٌ إلى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وهو حق الرب، ونصفٌ مسألةٌ إلى آخرها، وهو حق العبد، فهما نصفان مع أن أحدهما أزيدُ كلماتٍ من الآخر.
(١) يعني: أن أجر الوضوء يعدل بالتضعيف نصف أجر الإيمان.
(٢) سنن ابن ماجه (٢٨٠)، وصحيح ابن حبان (٨٤٤) عن سيدنا أبي مالك الأشعري ﵁.
(٣) سنن الترمذي (٣٥١٧) عن سيدنا أبي مالك الأشعري ﵁.
(٤) مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٦٠) عن رجل من بني سليم.
(٥) أخرجه مسلم (٣٩٥)، وابن خزيمة (٥٠٢)، وابن حبان (١٧٨٤) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
1 / 395
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]