فهو غير مؤمنٍ الإيمان الكامل، ومن ثَمَّ قيل: أفحش الأحوال أن يرى ضانًا على أخيه بأعمال الخير إن لم يوفق هو لها، كما جرى لابن آدم؛ فإنه قتل أخاه من أجل أن تَقَبَّلَ اللَّه تعالى قربانه دونه.
والمراد بالمثلية هنا: مطلق المشاركة المستلزمة لكفِّ الأذى والمكروه عن الناس، وتحمل الإنسان على أنه كما يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته ينبغي له إذا كانت لأخيه عنده مظلمةٌ أو حقٌّ. . أن يبادر إلى إنصافه من نفسه، ويؤثر الحق وإن كان عليه فيه مشقة.
وفي الحديث: "انظر ما تحب أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم" (١)، ومن ثَمَّ قيل للأحنف: (ممن تعلمت الحلم؟ قال: من نفسي، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا كرهت شيئًا من غيري. . لم أفعل بأحدٍ مثله) (٢).
فلا ينافي كون الإنسان يحب لنفسه أن يكون أفضل الناس، على أن الأكمل خلاف ذلك؛ فقد قال الفضيل بن عياض لسفيان بن عيينة: (إن كنت تودُّ أن يكون الناس مثلك. . فما أديت للَّه الكريم النصيحة، فكيف وأنت تودُّ أنهم دونك؟!) (٣).
(رواه البخاري ومسلم) لكن رواية مسلم فيها شك؛ إذ قال: "لأخيه أو جاره" بخلاف رواية البخاري، فإنه لا شك فيها، ولفظ مسلم: "والذي نفسي بيده؛ لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لأخيه، أو قال: لجاره ما يحبه لنفسه".
ولفظ أحمد: "لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير" (٤) وهو مبيِّنٌ لمعنى حديث "الصحيحين"، وأن المراد بنفي الإيمان: نفيُ بلوغ حقيقته ونهايته؛ فإنه كثيرًا ما يُنفى لانتفاء بعض أركانه وواجباته، كنفيه عن الزاني والسارق وشارب الخمر في الحديث المشهور (٥).
(١) أخرج الطبراني في "الكبير" (١٩/ ٤٤٠ - ٤٤١) عن سيدنا معن بن يزيد ﵁ نحوه.
(٢) انظر "فيض القدير" (١/ ٦٥).
(٣) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧٩٠٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٨/ ٤١٨).
(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٠٦).
(٥) أخرجه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) عن سيدنا أبي هربرة ﵁.
1 / 307
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]