ومما هو جدير بالنظر هل أن تلك الأبحاث الأخلاقية والفلسفية، التي تلقى في صورة محاورات بعد التمهيد لها بمقدمة تجعل الموضوع كله في هيئة قصة، كان لها أثرها في ظهور الشكل الحواري في آسيا وأوروبا؟ على أن انتشار قصة «إحقار» انتشارا عاما في أنحاء العالم يدل على مدى تنقل مثل ذلك الإنتاج الأدبي، وقد يكون من الأمور الجديرة بالذكر في موضوعنا أن أقدم صورة لقصة «إحقار» هذه قد نبتت في مصر.
وقد لاحظنا من قبل أن المثل العليا الاجتماعية التي نبتت في العهد الإقطاعي قد أضيفت إليها سلطة مقدسة وعزيت إلى أصل إلهي. ومن المهم أن نفحص الدليل على قيام تلك الحقيقة، وأن نثبت بصفة قاطعة شخصية ذلك الإله المقصود الذي كان يلتجئ إلى سلطانه رجال المثل العليا في الاجتماع. إن هذه المثالية الاجتماعية - التي هي أقدم شيء من نوعها - كانت بلا جدال مرتبطة بحكم إله الشمس على الأرض، وقد لاحظنا فيما تقدم أنه كان إلها للشئون البشرية في عالم الأحياء، في حين أن «أوزير» كان إلها للموتى. ولا نزاع في أن الملك الأمثل هو «رع» إله الشمس الذي كانت تجدد فخامة حكمه الخلقي في الفرعون الذي كان خليفة له على الأرض.
ولقد التجأ الملك في أوامره لرئيس وزرائه إلى التصريح بأنها أتت وفقا لحكم إله الشمس وجريا على تقاليده المتبعة؛ فالإله «رع» هو الذي كان صاحب السيادة على أفكار أولئك الفلاسفة الاجتماعيين في العهد الإقطاعي؛ لأننا نجد في «أغنية الضارب على العود» حتى مومية المتوفى قد وضعت أمام إله الشمس، وإليه كان يتطلع «الرجل التعس» ليبرئه في الآخرة. وقد كان «خع خبرو رع سنب» كاهنا لإله الشمس بمدينة «هليوبوليس»، كما أن رؤية «إبور» للملك الأمثل الذي سيأتي في المستقبل قد برزت إليه من ذكريات النعيم المقيم لحكم «رع» على الأرض بين الناس، في حين أن ملخص كل شكاوى «الفلاح الفصيح» كانت تنحصر في «تلك الكلمة الطيبة التي خرجت من فم «رع» نفسه: تكلم الصدق وافعل الصدق (أو الحق)؛ لأنه عظيم وأنه قوي وأنه دائم.»
فالواجبات الخلقية التي تظهر في اللاهوت الشمسي ليست إذن إلا صورة لأقدم بعث اجتماعي جديد لم نعرف نظيرا له في تاريخ العالم. وقد كان من أهم نتائج الملكية المثلى لحكم إله الشمس الأمل في تكرار مثل ذلك الحكم الطافح بالخير، وكان ذلك الأمل هو الذي جلب معه فكرة انتظار ملك مخلص يأتي فيما بعد.
ومن الواضح هنا - كما في متون الأهرام - أن علاقة «أوزير» بالمثل العليا للحق والعدالة في ذلك الوقت كانت أمرا ثانويا؛ لأن «أوزير» كان قد حوكم ثم اتضحت براءته في قاعة «هليوبوليس» العظمى؛ أي إنه حوكم أمام محكمة الشمس التي كان معترفا بها أنها المحكمة التي لا بد أن يفوز الإنسان ببراءته أمامها، وقد حدث ذلك في الوقت الذي كانت فيه أسطورة «أوزير» لا تزال في دور التكوين والتأليف.
أما رفع «أوزير» إلى منصب قاض فيما بعد، فليس إلا صبغا لوظائفه بالصبغة الشمسية على أساس القضاء الشمسي السائد في متون الأهرام؛ إذ نجد في تلك المتون أن «أوزير» قد صعد بالفعل فوق عرش «رع» السماوي، ثم نراه الآن يستولي على كرسي القضاء الخاص «برع»، وبتلك الكيفية صار إله الشمس المتصرف الخلقي العظيم الذي يحاكم أمامه الجميع بمقتضى العدالة، ولم يستثن من بينهم أحدا حتى ولا «أوزير» هذا. ولا داعي لأن ننكر هنا وجود بعض المبادئ الخلقية في العقيدة الأوزيرية المبكرة، وهي المبادئ التي نجد بعض الدلائل على وجودها في المذاهب المحلية لعدة آلهة مصرية من عصر الأهرام، ولكن يجب علينا لهذه المناسبة ألا ننسى أن متون الأهرام قد حفظت لنا بعض المتون التي اعتبر فيها «أوزير» بعيدا جدا عن أن يكون ملكا أمثل وصديقا للإنسان؛ لأنها تميط اللثام عن عداوته للموتى وخصومته لجميع الناس. ولم يظهر «أوزير» بمظهر الحامي للعدالة بشكل صريح إلا في العهد الإقطاعي، وسنرى الآن أن «أوزير» و«رع» قد وضعا جنبا إلى جنب في التفكير الخلقي في ذلك العصر.
وكان لا بد في ذلك الوقت لكل عظيم وكل قوي أن ينتظر المحاكمة أمام محكمة العدل، على أن يكون ذلك على قدم المساواة مع الفقير ومن لا ناصر له في المعاملة وفي الأحكام، وتلك المعاملة لم تذكر فقط في الاعتقادات الدينية والمبادئ الاجتماعية، بل ذكرت كذلك رسميا في السياسة الملكية. ولا يكاد يكون هناك أي شك في أن مثل تلك العقائد الخاصة بالعدالة الاجتماعية كما وجدناها في ذلك العصر قد ساعدت مساعدة عظيمة على نمو الاقتناع بأن الإنسان الذي يصير مقبولا أمام محكمة عدالة الإله العظيم ليس هو الرجل الذي يكون صاحب سلطان وثروة، وإنما هو رجل الحق والعدالة.
6
وقد تأثر الكهنة الذين كانوا مشتغلين باللاهوت في ذلك العصر تأثرا عظيما بذلك الميل إلى نشر الديمقراطية (أي تعميم المساواة بين الناس). ويكشف لنا عن مبلغ ذلك التأثير خطاب أساسي هام لإله الشمس عثر عليه في متون التوابيت الخشبية التي يرجع تاريخها إلى ذلك العصر الإقطاعي؛ إذ يقول: «لقد خلقت الرياح الأربعة ليتنفس بها الإنسان مثل أخيه الإنسان مدة حياته، ولقد خلقت المياه العظيمة ليستعملها الفقير مثل السيد.
لقد خلقت كل رجل مثل أخيه، وحرمت عليهم إتيان السوء، ولكن قلوبهم هي التي نكثت ما قلته.
Halaman tidak diketahui