وهل استمرت تلك الصور القاتمة المحزنة التي وجدناها في مقالات رجال الفكر المتشائمين أمثال «الرجل التعس» و«خع خبرو رع سنب» والملك «أمنمحات الأول» تدل على الحقيقة الواقعة؟!
وهل أن إدراك عصر الإقطاع لما بدا أنه طبيعة المجتمع الإنساني الحقيقية وما أسفر عنه ذلك من انقشاع الوهم، قد بقي بغير نتائج إنشائية مثمرة؟
وقد شاهدنا أن آمال الذين ينتظرون ظهور المخلص كانت مؤسسة على ظهور ملك عادل، في حين أن غيرهم من المصلحين الاجتماعيين - ممن امتازوا بالآراء العملية - كانوا يرون قلب نظام المجتمع عن طريق إيجاد جيل جديد من الموظفين العدول. ورغم تشاؤم «أمنمحات الأول» فقد ظهرت لنا أدلة قاطعة على أنه هو نفسه قد قام بمجهودات ومشروعات دبرت بعناية حتى تضمن له عهد حكم عادل، وقد كان رئيس الوزارة أو الوزير الأعظم لسان حال الفرعون، ويعتبر أهم عضو في الحكومة بعده.
وقد حفظت لنا نسخ من خطاب وجهه الملك مشافهة إلى وزيره الأعظم يرجع تاريخها جميعا إلى عهد الدولة الحديثة؛ أي بعد العهد الإقطاعي ببضعة قرون. وقد كان الملك يلقي ذلك الخطاب كلما أسندت مسئولية الحكم إلى وزير أعظم جديد.
ذلك الخطاب العظيم يقدم الدليل على أن أحلام المتنبئين أمثال «إبور» و«نفرروهو» اللذين كانا يتنبئان بظهور مخلص قد تحققت فيما له علاقة بالأخلاق الملكية؛ أي إن روح العدالة الاجتماعية التي كانوا يشعرون بها قد وصلت إلى العرش نفسه ثم انتشرت حتى في نفس كيان الحكومة، والخطاب هو كما سيأتي:
النظام الذي ألقي على كاهل الوزير الأعظم «س»
1
اجتمع أعضاء المجلس في قاعة مجلس الفرعون (له الحياة! والفلاح! والعافية!) وقد أمر الواحد (يعني الملك) بإحضار الوزير الأعظم «س» الذي نصب حديثا (إلى قاعة المجلس)، وقال له جلالته: تبصر في وظيفة الوزير الأعظم، وكن يقظا لمهامها كلها، انظر إنها الركن الركين لكل البلاد.
واعلم أن الوزارة ليست حلوة المذاق، بل إنها مرة ... فالوزير الأعظم هو النحاس الذي يحيط بذهب بيت [سيده] ... واعلم أنها (يعني الوزارة) لا تعني إظهار احترام أشخاص الأمراء والمستشارين، وليس الغرض منها أن يتخذ بها الوزير لنفسه عبيدا من الشعب ...
واعلم أنه عندما يأتي إليك شاك من الوجه القبلي أو من الوجه البحري أو من أي بقعة في البلاد، فعليك أن تطمئن إلى أن كل شيء يجري وفق القانون، وأن كل شيء قد تم حسب العرف الجاري، فتعطي كل ذي حق حقه، واعلم أن الأمير يحتل مكانه بارزة، وأن الماء والهواء يخبران بكل ما يفعله، واعلم أن كل ما يفعله لا يبقى مجهولا أبدا ...
Halaman tidak diketahui