13
ولا يحمل في قلبه شرا، وحينما تكون قطعانه قليلة العدد فإنه يصرف يومه في جمع بعضها إلى بعض وقلوبها محمومة
14 (من الحزن)، ليته عرف أخلاقها في الجيل الأول، فعندئذ كان في مقدوره أن يضرب الشر، وكان في قدرته أن يمد ذراعه ضده (يعني الشر)، وكان في مقدوره أن يقضي على بذرتهم هناك وعلى وراثتهم ... فأين هو اليوم؟ هل هو بطريق المصادفة نائم؟ ... انظر، إن بأسه لا يرى ...»
فنجد في ذلك صورة الملك الأمثل، وهو الحاكم العادل الذي لا يحمل في قلبه شرا، وهو الذي يجول بين رعيته كالراعي يجمع شتات قطيعه المتناقص الظمآن. إن مثل ذلك الحكم العادل الذي نجد له نظيرا في حكم نبي الله «داود» - عليه السلام - عند العبرانيين قد حدث، ويمكن أن يحدث ثانية، على أن عنصر الأمل في ظهور الملك الصالح المنتظر كان في نظره أقرب من حبل الوريد، بل كان محققا عنده ، كما تدل الكلمات الختامية التي وردت بالفقرة السابقة عند قوله: «أين هو اليوم؟ هل هو بطريق المصادفة نائم؟ انظر، إن بأسه لا يرى.» ولا يسعني (لإبراز المعنى المقصود) إلا أن أضيف إلى الجملة الأخيرة لفظي «حتى الآن».
على أن الأهمية الخاصة التي نستنتجها من تلك الصورة تنحصر في أن المثل العليا الاجتماعية أو الحلم الذهبي لمفكري ذلك العصر البعيد على أقل تقدير - إن لم نقل منهجهم الاجتماعي - كانت تشمل الحاكم الأمثل الطاهر النقي الخير المقاصد الذي يعز عشيرته ويحميها ويسحق الأشرار. وسواء أكان التنبؤ بقدوم هذا الحاكم محددا أم لا، فإن صورة أخلاقه وأعماله قد كشف النقاب لنا عنها ذلك الحكيم القديم، وقد كشف النقاب عنها في حضرة الملك الموجود إذ ذاك، وفي حضرة أولئك الذين اجتمعوا حوله حتى يقتبسوا شيئا من بهائه، وذلك بطبيعة الحال هو عين التبشير بالمسيحية قبل أن تظهر بين العبرانيين بما يقرب من 1500 سنة.
وقد أدت الموازنة الفظيعة التي كانت تجول في ذهن ذلك الحكيم المصري القديم بين حكم الملك الأمثل وبين حكم الفرعون الجالس على العرش، الذي يقف في حضرته، إلى أن ينطق الحكيم بأقسى الاتهامات ضد مليكه، فكان مثله في ذلك مثل «ناثان»
15
عندما وجه كلماته اللاذعة إلى «داود» - عليه السلام - قائلا: «أنت هو الرجل.» فلقد وضع الحكيم مسئولية كل ما صوره من مساوئ فوق عاتق الملك؛ إذ يقول لمليكه: «إن الأمر الملكي، والمعرفة، والعدالة (يعني ماعت) في قبضة يدك، ولكن ما تضعه في البلاد هو النزاع وصوت القلاقل. ولقد فعلت ذلك لتشتد علينا هذه الأمور، لقد نطقت زورا وبهتانا.»
وعندما انتهى ذلك الحكيم من خطابه الطويل، أجابه الملك بنفسه على أقواله، غير أنه ليس في وسعنا أن نصل إلى ما قاله الملك في إجابته على الحكيم مما بقي لنا من تلك النتف المفتتة من الصفحة الممزقة التي دونت عليها الإجابة.
وقد وصلت تقريعات ذلك الرجل الحكيم إلى قمتها في قوة التعبير حين أشار إلى أخلاق الفرعون التقليدية، وهي التي كانت تشمل الأمر الملكي والمعرفة والعدالة (يعني ماعت)؛ أي النظام الإداري والخلقي القديم الذي حافظ عليه ملوك الاتحاد الثاني مدة ألف سنة، وهو الذي قد حلت الآن محله الفوضى.
Halaman tidak diketahui