262

Kajian Tentang Muqaddimah Ibn Khaldun

دراسات عن مقدمة ابن خلدون

Genre-genre

ومع ذلك فإن عوامل الخلل تبدأ في الظهور والتأثير منذ الطور الثاني.

يدرس ابن خلدون هذه العوامل على حدة في فصل من فصول الباب الثالث؛ هو فصل «كيفية طروق الخلل للدولة» (ص294-297).

يبدأ الفصل المذكور بتقرير المبدأ التالي: «إن مبنى الملك على أساسين لا بد منهما؛ فالأول: الشوكة والعصبية، وهو المعبر عنه بالجند، والثاني: المال الذي هو قوام أولئك الجند، وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال.» «والخلل إذا طرق للدولة طرقها من هذين الأساسين.»

وبعد تقرير هذا المبدأ يأخذ ابن خلدون في شرح كيفية طروق الخلل للدولة، من كل واحد من هذين الأساسين، ويذكرنا أولا بالدور الهام الذي تلعبه العصبية في تمهيد الدولة وتأسيسها: «إن تمهيد الدولة وتأسيسها - كما قلنا - إنما يكون بالعصبية، وإنه لا بد من عصبية كبرى جامعة للعصائب مستتبعة لها، وهي عصبية صاحب الدولة الخاصة من عشيرة وقبيلة.»

إن هذه العصبية الأساسية تتعرض للخلل والانتقاص بعد تأسس الدولة في الطور الثاني من الأطوار الخمسة التي ذكرناها آنفا، وذلك لسببين مهمين؛ أولا: لاستبداد صاحب الدولة عليهم، وثانيا: لتأثير الترف في نفوسهم.

لأن صاحب الملك عندما ينزع إلى الانفراد بالمجد، ويعمل في سبيل ذلك الانفراد، يبدأ من «جدع أنوف عشيرته وذوي قرباه المقاسمين له في اسم الملك، فيستبد في جدع أنوفهم أكثر من سواهم،

1 «ويأخذهم الترف أيضا أكثر من سواهم»؛ لمكانهم من الملك والعز والغلب»، وهذا الترف يفقدهم العصبية والمنعة؛ ولذلك «يحيط بهم هادمان، وهما؛ الترف والقهر»، والقهر يؤدي - آخر الأمر - إلى القتل؛ «لما يحصل من مرض قلوبهم عند رسوخ الملك لصاحب الأمر، فيقلب غيرته منهم إلى الخوف على ملكه؛ فيأخذهم بالقتل والإهانة وسلب النعمة والترف الذي تعودوا الكثير منه؛ فيهلكون لذلك ويقلون» (ص295).

وبهذه الصورة «تفسد عصبية صاحب الدولة منهم، وهي العصبية الكبرى التي كانت تجمع بها العصائب وتستتبعها؛ فتنحل عروتها، وتضعف شكيمتها»؛ فيضطر صاحب الدولة إلى الاستعاضة عنها «بالبطانة من موالي النعمة وصنائع الإحسان»، ويتخذ منهم عصبية، إلا أن هذه العصبية المستحدثة لا تكون في مثل «تلك الشدة الشكيمية»؛ لفقدان الرحم والقرابة منها» (195)، فتكون أضعف من العصبية الأولى الأصلية بطبيعة الحال.

ولذلك «ينفرد صاحب الدولة عن العشير والأنصار الطبيعية، ويحس بذلك أهل العصائب الأخرى فيتجاسرون عليه وعلى بطانته تجاسرا طبيعيا؛ فيهلكهم صاحب الدولة، ويتتبعهم بالقتل واحدا بعد واحد» (ص295). «ويقلد الآخر من أهل الدولة في ذلك الأول، مع ما يكون قد نزل بهم من مهلكة الترف الذي قدمنا، فيستولي عليهم الهلاك بالترف والقتل، حتى يخرجوا من صبغة تلك العصبية ويفشوا بعزتها وثورتها، ويصيروا أوجز على الحماية ويقلون لذلك، فتقل الحامية التي تنزل بالأطراف والثغور، فيتجاسر الرعايا على بعض الدعوة في الأطراف ، ويبادر الخوارج على الدولة من الأعياص وغيرهم إلى تلك الأطراف؛ لما يرجون حينئذ من حصول غرضهم بمبايعة أهل القاصية لهم، وأمنهم من وصول الحامية إليهم. ولا يزال ذلك يتدرج، ونطاق الدولة يتضايق، حتى تصير الخوارج في أقرب الأماكن إلى مركز الدولة، وربما انقسمت الدولة عندئذ بدولتين أو ثلاث، على قدر قوتها في الأصل» (ص195).

وأما قوة الدولة فتنحصر عندئذ في الحاميات المؤلفة من الجنود المرتزقة: «وربما طال أمد الدولة بعد ذلك؛ فتستغني عن العصبية بما حصل لها من الصبغة في نفوس أهل أيالتها من صبغة الانقياد والتسليم، منذ السنين الطويلة التي لا يعقل أحد من الأجيال مبدأها ولا أوليتها. فلا يعقلون إلا التسليم لصاحب الدولة، فيستغني بذلك عن قوة العصائب، ويكفي صاحبها - بما حصل لها في تمهيد أمرها - الإجراء على الحامية من جندي ومرتزق، ويعضد ذلك ما وقع في النفوس عامة من التسليم.» «وربما كانت الدولة في هذه الحال أسلم من الخوارج والمنازعة لاستحكام صبغة التسليم والانقياد لهم.» «ثم لا يزال أمر الدولة كذلك، وهي تتلاشى في ذاتها شأن الحرارة الغريزية في البدن العادم للغذاء، إلى أن تنتهي إلى وقتها المقدور» (ص296).

Halaman tidak diketahui