أمزّق قلوبهم لأرقّع بها الخروق بيننا وبين الناس. لقد كان قلبي منصدعًا ولكن عقلي كان سليمًا، تحملت ألمي لأجنّب إخوتي (ما استطعت) حمل الألم. كان عليّ أن أُنسِيَهم بالسفر ما أصابهم، ولكن إلى أين أسافر بهم؟ ما كان معي ما أسافر به إلى بيروت فكيف بالبلد البعيد؟ فأخذتهم إلى قرية من قرى الوادي، وما نمت حتى تلقّيت طعنة مفاجئة من خنجر حاد، حين أقبلنا نفرش الفرش لننام فسألني أخي الصغير سعيد: وأين ستنام أمي؟
إلى هنا ودعوني أطوي (١) صحف هذه القصة (وإن كانت مرارة ذكراها سيبقى مطويًا عليها القلبُ إلى أن أموت) وأقلب الصفحة من كتاب الذكريات الذي لم أكتب منه شيئًا قبل الآن إلا صورًا وأفكارًا جاءت منثورة في بعض ما كُتب بعد ذلك اليوم.
* * *
أستأنف صفحة جديدة من هذه «الذكريات» التي صار لها قراء، ولهؤلاء القراء آراء تأتيني فيما يتفضلون بإرساله إليّ من رسائل، في بعضها ثناء وفي بعضٍ نقد، ومنها ما فيه استيضاح واستفهام. ورسالة جاءتني تشهد لصاحبها بأنه من بلغاء السفهاء ومن أكابر أهل الهجاء، ألقى هذه الأقذار كلها أمام بابي لأني تردّدتُ أن أترحّم على عارف النكدي لأنه درزي.
وثلاث رسائل من رجلين وامرأة فيها تعليق على ما شكوته من أخي. وكان خيرًا لي ألاّ أشكو إلاّ إلى الله. وأنا أشكر لهم
(١) أطوي ليست جواب الطلب، لذلك رفعت الفعل ولم أجزمه.