هبطنا من يفاعنا وأضعنا ملكنا، ونمنا وطال نومنا فطمع الطامعون فينا. كنا كالأسد في غابِهِ، لمّا ساد الغابَ وتوارت منه الذئابُ ولم يصمد له منها ظفر ولا ناب اطمأنّ وسكن، واسترخى فأدركه النعاس وغلبه الوسَن. فلما استغرقه المنام استيقظت الذئاب وطمعت فيه الثعالب.
ولكن الأسد يبقى أسدًا ولو نام، والجوهر لا يصير زجاجًا ولو رميته في الوحل، والزجاج لا يغدو ألماسًا ولو وضعته في صناديق الحديد. يرسب الذهب إذا أُلقيَ في الماء وينزل إلى قعر الإناء، ويطفو التبن والبعر، ولكن هذا لا يُغلي التبن ولا يرخص التبر:
وإنْ تكُنِ الأيّامُ فينا تبدّلَتْ ... بنُعمَى وبُؤسَى والحوادثُ تفعَلُ
فما ليّنَتْ منّا قناةً صَليبةً ... ولا ذلّلَتنا للّتي ليس تَجمُلُ
* * *
لقد أخذ الأسد يستيقظ، إنه يمدّ يديه ثم يسترخي فيعاود المنام. لقد بدأت حركات النضال؛ فمن انتفاضة سنة ١٩١٩ في مصر وما كان فيها من أحداث، إلى أحداث الرّميثة في العراق، إلى ثورة الريف المغربي التي قادها الأمير محمد عبد الكريم الخطابي فحارب فرنسا وإسبانيا معًا. ولقد لقيته في مصر سنة ١٩٤٧ بعد عودته من المنفى فوجدت فيه عالمًا تقيًا عابدًا في ثوب قائد، ﵀ فلقد كان مجاهدًا مؤمنًا (١).
(١) في كتابي «هتاف المجد» فصل عنه.