204

إذا قامت الدولة بعمل كما يليق بها حفظت حقوقها وصانت بقية ممالكها، الحكيم اليقظ يستفيد من كل حادثة وإلا خرق الغافل عرضة لكل خطر، الدولة تطلب نكاية الإنجليز من كل وجه، فما الذي يمنع الدولة العثمانية من مجاراة الدول العظام وهي أقدرهن على الإضرار بهم فإنهم في بلادها، يعبثون فيها مفسدين، وسكان البلاد لا ينتظرون إلا خطوة من دولتهم إليهم فيقيمون القيامة عليهم.

الفصل التاسع والتسعون

أسف

أنبأت الأخبار الأخيرة بحدوث ثورة في دارسين من بلاد أرمنستان؛ قصد الإخلال بالسلطة العثمانية في تلك الأقطار، ومهب ريح هذه الثورة من جمعية الأرامنة في تفليس، والأسلحة والذخائر تنهال على الثائرين من تلك الجمعية، هذه هي الأمم الخاملة التي لم يكن لها في الكون مكان، ولا على صفحة الوجود أثر، ولا في صفوف الأمم العظام قدم، أصبحت تطلب اسما رسميا وشأنا عليا، تنفق أموالا، وتبذل أرواحا، ولا تبالي بأغوال المنايا، فما بال المسلمين في بعض الأقطار وقد كانوا هامة العالم، نراهم اليوم في قنوط ويأس، تتخطف الدول الأجنبية ممالكهم، وهم في سكون يكتفون بأسف العجائز، وتحسر الزمنى، مع أن لهم دولا عظاما، وعددهم يتجاوز مائتي مليون من النفوس، إن هذا لشيء عجيب حقا!

الفصل المائة

إسماعيل باشا يحن إلى مصر!

عظم على الخديو السابق أمر ما نزل بمصر، وعز عليه اشتداد الأزمة في داخليتها، وعسر ماليتها، واكتنافها بالفتن الخارجية، وارتباكها في المشكلات السياسية، فحن إليها (وله أن يحن)، وأراد أن لا يدع للإنجليز موضعا للتعلل (في تأمين الدين وأطفأ الثورة) فأظهر من سريرته ما ذكرته جريدة «الروبيبليك فرانسز» وهو: أن يتبرع بالتزام أداء ما يطلبه حاملو الأوراق المصرية مع استعداده لأن يقود جيشا لمغالبة محمد أحمد!

ورأينا في جريدة الماتان: أن مسيو كورسيل سفير فرنسا في برلين أخبر حكومته بوجه رسمي أن القياصرة الثلاثة استقر عزمهم أن يبعثوا إلى الخديو «توفيق باشا» بلائحة مقتضاها أن منصبه سيكون في خطر إذا استمر زمنا طويلا على الركون لإنجلترا في الدسائس المالية بالقطر المصري، وأن السعي في عودة إسماعيل باشا إلى مصر سيكون مؤيدا من وزارات برلين وستراسبورج وفيينا وباريس، وأن مسيو هربرت بسمارك يأخذ على نفسه أن يشهر الدوائر السياسية بلندن ما يترتب على عودة الخديو السابق من الفوائد؛ حيث يعلن رسميا أن عودة إسماعيل باشا هي أفضل في نظر الدول من الأعمال التي تصدر من إنجلترا متعلقة بمصالح أوروبا ومنافعها في البلاد المصرية. ا.ه.

إنا نعلم أن إسماعيل باشا لو رجع إلى مصر لا يكتفي بتخفيض سلطة الإنجليز في وادي النيل، بل يبذل جهده في محو النفوذ الإنجليزي بالمرة، وربما مد حباله إلى سائر البلاد الشرقية الداخلة في سلطة الإنجليز؛ ليحبط أعمالهم فيها، ويهدم أركان سلطتهم عليها؛ لأنه يعلم أن الدولة الإنجليزية هي السبب في كل مصاب نزل به، وكأن الإنجليز أحسوا بذلك منه على ما روته بعض الجرائد، فدفعوه عن نيل مقصده ولا يزالون يدفعونه، لكن لو اتفقت بقية الدول مع الدولة العثمانية على إرجاعه لم يبعد وقوعه، غير أن إحدى الجرائد ذكرت مانعا قويا وعائقا شديدا يحول دون نجاح هذا المقصد، وهو امتناع الذات الشاهانية عن إصدار الفرمان لإسماعيل باشا بخديوية مصر، أيا كانت الحال.

واستعظام هذا المانع مبني على ما تراءى للسلطان من أن إسماعيل باشا وهو في أوروبا أعزل فاقد السطوة لا حول له ولا قوة؛ كان مهتما للتشويش على الخلافات العثمانية ومعارضة الذات الشاهانية، وأن الرسائل الكثيرة والمقالات المتعددة المطبوعة بالألسن المختلفة المشحونة بما يمس الخلافة، وقد وصل إلى علم السلطان أن الحامل على تحريرها هو إسماعيل باشا، فهذا الظن هو الذي يمنع السلطان من تسهيل الطريق لعودته لحسبانه أنه لو صار له نفوذ وسلطة في مصر فربما صدرت عنه أعمال لا توافق مصلحة الدولة.

Halaman tidak diketahui