Culuh Himma
علو الهمة
قال صالح: قال أبي: (لما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم، وقال: ائتوني بغيرها، ثم قال للجلادين: "تقدموا"، فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: "شد، قطع الله يدك! "، ثم يتنحى، ويقوم الآخر، فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: "شد، قطع الله يدك! "، فلما ضربت تسعة عشر سوطا قام إلي، يعني المعتصم: وقال: "يا أحمد علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق"، قال: فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه، وقال: "أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ "، وجعل بعضهم يقول: "ويلك، الخليفة على رأسك قائم! "، وقال بعضهم: "يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي، اقتله! "، وجعلوا يقولون: "يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت في الشمس قائم! "، فقال لي: "ويحك يا أحمد، ما تقول؟ "، فأقول: "أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقول به"، فرجع وجلس، وقال للجلاد: "تقدم وأوجع، قطع الله يدك! "، ثم قام الثانية، فجعل يقول: "ويحك يا أحمد، أجبني"، فجعلوا يقبلون علي ويقولون: "يا أحمد، إمامك على رأسك قائم! " وجعل عبد الرحمن يقول: "من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ " وجعل المعتصم يقول: "ويحك، أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي"، فقلت: "يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب الله"، فيرجع، وقال للجلادين: "تقدموا"، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: "شد، قطع الله يدك! " قال أبي: فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عني، فقال لي رجل ممن حضر: "إنا كببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك! "، قال أبي: فما شعرت بذلك، وأتوني بسويق فقالوا لي: "اشرب وتقيأ"، فقلت: "لا أفطر"، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: "صليت والدم يسيل في ثوبك؟ "، فقلت: "قد صلى عمر وجرحه يثعب دما".
قال صالح: ثم خلي عنه فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن، منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه، ثمانية وعشرين شهرا. ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه، قال: يا ابن أخي، رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدا يشبهه، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: "يا أبا عبد الله، أنت صائم، وأنت في موضع تقية" (¬1)، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب:
Halaman 275