196
محض الصنيعة لا كجو ... د سواه مصنوع مموّه في كلّ يوم عنده ... حسنى يسوء بها عدوّه شرع كلا وقتيه أحر ... ز في الندى بهما سموّه فغدوه كرواحه ... ورواحه يحكي غدوّه وقد اشتملت هذه المقطوعة على اللزوم، وهذا القسم منهم من سمّاه لزوم ما لا يلزم، ومنهم من يسمّيه الإعنات، وقالوا جميعًا فيه: هو أن يلزم الناثر في نثره أو الشاعر في شعره قبل حرف الروي حرفًا فصاعدًا على حسب قوّته مشروطًا بعدم التكلّف، وهو في مقطوعتنا هذه التزم أحد الواوين في القافية لأنّه غير لازم إذ يسوغ أن تكون القافية مثلًا غدوه أخوه، ومثل ذلك قصيدة كثير عزّة التي يقول فيها: خليلَيّ هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثمّ احللا حيث حلّت في التزام أحد اللامين وهي طويلة مشهورة. ومن الكتاب العزيز قوله تعالى: (وَالطُّور، وكتاب مَسْطُور) فالطاء في أحد الفاصلتين لزوم. الباب السابع والعشرون في قافية الهاء وفيها فصل واحد في المدح قلت فيه: باتت تعاطيني حميّاها ... بيضاء كالبدر محيّاها جائت من الفردوس تهدي لنا ... نفحة كافور بمسراها لولم تكن من حورها لم يكن ... رحيقها بين ثناياها ذات قوام حبّذا بانة ... منه نسيم الدلّ ثنّاها ووجنة تغنيك في شمّها ... عن شمّك الورد بريّاها بتُّ كما شئت بها ناعمًا ... معانقًا مرتشفًا فاها في روضة تروي شاذها الصبا ... عن حسن لا عن خزاماها من لم يدع للفخر من غاية ... إلاّ وقد أحرز أقصاها لم تجر أهل السبق في شأوه ... إلاّ غدا العجز قصاراها ذو راحة أغزر من ديمة ... تحلبها كفّ نعاماها تنميه من حيّ العلى أسرة ... أحلى من الشهد سجاياها هم أنجم الأرض بأنوارهم ... أضاء أقصاها وأدناها الباب الثامن والعشرون في قافية الياء وفيها فصل واحد في المديح قلت في مدحه: للمجد طلعتك البهيّه ... شمسٌ تشعّ على البريّه وبنان كفّك للندى ... وطفاء ساكبة رويّه ولك المناقب في سما ... ء الفخر زاهرة مضيّه لا زلت يابن جلا هموم ... الوفد طلاّع الثنيّه كالطود حلمك أو تهزّك ... للثناء الأريحيّه أبني الزمان ورائكم ... عن هذه الرتب العليّه ودعوا الفخار بأسره ... لا غرَّ بسّام العشيّه خير البريّة من تعيش ... على عوارفه البريّه هذا أبوالهادي الذي ... يعطي ويحتقر العطيّه لم يرض بالدنيا وما ... فيها لوافده هديّه كرمًا تبشّر وفده ... بالنجح بهجته الوضيّه حلو الحميّا خلقه ... مرّ الحفاظ مع الحميّه فأمّا قولي: وبنان كفّك للندى ... وطفاء ساكبة رويّه ففيه التضمين من قول بعضهم في رثاء الحسين ﵇: أمرر على جدث الحسين ... وقل لأعظمه الزكيّه يا أعظمًا لا زلت من ... وطفاء ساكبة رويّه وقد صرفته عن معناه لأنّ ساكبة صفة للوطفاء ورويّة صفة للأعظم وقد جعلتهما كلاهما صفة للوطفاء. والتضمين هو أن يضمن الشاعر شعره شيئًا من شعر الغير مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورًا عند البلغاء، وإن كان مشهورًا فلا حاجة إلى التنبيه. قال البحتري في هجاء بعض النّاس: ولقد رأيت البيض تأخذ درعه ... فذكرت عرض محمّد بن الهيثم غرض الأيور يقول عند لقائها ... ليس الكريم على القنا بمحرّم مزج المدح لإنسان بذمّ آخر وتضمّن من قول عنتر قوله: ليس الكريم على القنا بمحرّم، وهنا نادرة أحببت ذكرها وإن لم تكن من التضمين إلاّ أنّ فيها مناسبة لحال المهجو. قيل: إنّ الحسن بن وهيب وكان يُرمى بالأبنة استعرض غلامًا فقال: أكشف عن ساقيك وذراعيك وجعل يفتّشه والغلام يخجل، فقال له نجاح الكاتب: لا تخف إنّك أنت الأعلى. ولبعضهم في الهزل: وباخل يشنؤ الأضياف حلَّ به ... ضيف من الصفع نزّال على القمم سألته ماالذي يشكو فجاوبني ... ضيف ألمَّ برأسي غير محتشم والتضمين هذا من قول المتنبّي:

1 / 196