فأجفل وقال: «أبي خليفة؟ كيف يمكن ذلك. إن المعتصم يضارعني سنا فلا يمكن أن يكون هو المراد، وكذلك المأمون والأمين.»
قالت: «إن هؤلاء إخوتك.»
فقال وقد أخذته الدهشة: «فأنا إذن ابن الرشيد؟!»
قالت: «نعم يا بني، وهذه أول مرة نطقت بهذه الحقيقة بعد مرور الأعوام الطويلة.»
قال : «أليس في الدنيا أحد سواك يعرفها؟»
قالت: «كلا.»
قال: «وما معنى كتمانها كل هذا الزمن والناس يفاخرون بالانتماء إلى أتباع الخلفاء فكيف بالخلفاء أنفسهم؟!»
قالت: «لذلك سبب معقول هو أني كنت من جواري الرشيد في قصره ببغداد وكان يحبني، حتى كانت الليلة التي فتك فيها بأخته العباسة وبجعفر البرمكي وابنيهما الحسن والحسين. وقد بالغ في التكتم حتى قتل كل من استخدمه لذلك الغرض، فلم يكن أحد من أهل القصر يجسر على الخروج من حجرته مع أنهم مطلعون على كل شيء من بعيد، إلا أنا فقد حدثتني نفسي لصغر سني يومئذ أن أخرج لأرى وأسمع، فوقفت موقفا ظننت نفسي مختبئة فيه لا يراني أحد، فسمعت حديث الرشيد، رحمه الله، مع زوجته زبيدة بشأن أخته وأشياء أخرى. وفيما أنا في ذلك رأيت زبيدة نفسها مقبلة نحوي وهي تقول: «يا هارون، إن جواريك يسمعن حديثنا!» فوقع الرعب في قلبي وأيقنت أني مقتولة لا محالة فلم تعد ركبتاي تحملانني من الرعشة ثم سمعت الرشيد يرعد بصوته من الغضب ويقول: «من هذا؟» وأمر مسرورا فحملني إليه، فلما رآني أظهر الأسف علي؛ لأن قتلي لا مناص منه. فلما رأى دموعي رفق بي، ولكنه كان شديدا فأطرق لحظة ثم قال: «يا حبيبة - وهذا اسمي عنده - قد سعيت إلى حتفك بظلفك».» «فتراميت عند قدميه وبكيت وغسلت رجليه بدموعي، وكنت يومئذ حاملا فقلت: «أشفق على صباي، بل أشفق على هذا الجنين».» «فوجم وتراجع ثم قال: «أعفو عن حياتك. ولكنني لا أقدر أن أراك ولا أسمع اسمك.» ونادى مسرورا فأتى فأمره أن يجهزني بالمال ويدبر نقلي إلى البلد الذي أختاره، فاخترت فرغانة؛ لأني كنت أعرفها من قبل.» «وصرفني فخرجت مع مسرور في الليل الدامس إلى خارج بغداد وقد أعد لي الأحمال وأوصى المكاري بي ودفع إلي مالا وجواهر تكفيني أعواما وودعني. فقضيت في الطريق مدة طويلة ولدتك في أثنائها. وأخيرا وصلت إلى فرغانة وعرفت المرزبان وعائلته، وطلبني أناس للزواج فأبيت وانقطعت لتربيتك وأنا كاتمة سرك، وأنت تطلب المجيء إلى العراق ، وأنا أخالفك، ولما مات الرشيد، وماتت زبيدة هان علي المجيء ورضيت بسفرك إلى العراق.»
فلما فرغت آفتاب من كلامها قال لها ضرغام: «فأنا إذن أخو المعتصم؟»
قالت: «نعم إنك أخوه، فإذا علم هو بذلك زادك تقريبا.»
Halaman tidak diketahui