عقد المعتصم في اليوم التالي مجلسا حضره كل من القاضي أحمد بن دؤاد، والوزير محمد بن عبد الملك الزيات، وغيرهما من الأعيان. ودعا الصاحب ووردان فحضرا. ثم أمر بالأفشين فأخرج من محبسه وجيء به إلى المجلس، وتولى ابن الزيات اتهامه بعد أن أحضر الشهود المشار إليهم. فجيء أولا بالرجلين المضرورين، وكشف عن ظهريهما وهما عاريان من اللحم وقال للأفشين: «أتعرف هذين؟»
قال: «نعم هذا مؤذن وهذا إمام بنيا مسجدا بأشروسنة، فضربت كل واحد منهما ألف سوط؛ لأن بيني وبين ملك السعد عهدا بأن أترك كل قوم على دينهم . فوثب هذان على بيت نار في أشروسنة كان فيه أصنام فأخرجاها وجعلا مكانها مسجدا فضربتهما.»
قال ابن الزيات: «ما كتاب عندك حليته بالذهب والجوهر وفيه الكفر؟»
قال: «هو كتاب ورثته عن أبي، فيه من آداب العجم وكفرهم، فكنت آخذ الأدب وأترك الكفر، ووجدته محلى فأبقيته، وما أظن هذا يخرج من الإسلام.»
ثم تقدم الموبذ وقال وهو يشير إلى الأفشين: «إن هذا يأكل لحم المخنوقة ويحملني على أكلها ويزعم أنها أرطب من المذبوحة. وقال لي يوما: «قد دخلت لهؤلاء القوم - المسلمين - في كل شيء أكرهه حتى أكلت الزيت وركبت الجمل ولبست النعل غير أني إلى هذه الغاية لم أختتن».» فاعترض الأفشين على كلام الموبذ بأنه غير ثقة. فرد ابن الزيات عليه. ثم تقدم ابن الزيات وقال مخاطبا الأفشين: «كيف يكتب أهل بلدك إليه؟» قال: «لا أقول.»
قال: «ألا يكتبون إليك بلغتهم ما معناه إنك إله الآلهة؟» قال: «بلى.»
فقال ابن الزيات: «إن المسلمين لا يطيقون هذا فما أبقيت لفرعون؟»
قال: «هذه كانت عادتهم لأبي وجدي ولي أيضا قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد طاعتهم.»
ثم تقدم المازيار: فقال ابن الزيات للأفشين: «هل كاتبت هذا؟» قال: «لا.»
قال المازيار: «كتب أخوه لأخي باسمه أنه لم ينصر هذا الدين غير بابك، ولكن بابك قتل نفسه، وجهدت أن أصرف عنه الموت فأبى إلا أن أوقعه، فإن خالفت لم يكن للقوم من يرمونك به غيري ومعي الفرسان وأهل النجدة فإن وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب والمغاربة والأتراك. والعربي بمنزلة الكلب أطرح له كسرة وأضرب رأسه، والمغاربة أكلة رأس، والأتراك ما هي إلا ساعة حتى تنفذ سهامهم ثم تجول الخيول عليهم فتأتي على آخرهم ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم.»
Halaman tidak diketahui