Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
الغيب ، وسكناه من فوران الأحوال ، وتغاير التلوين ، وبلغناه حقائق الصحو ؛ ليكون كهفا لغرباء المعرفة ، والمسترشدين من أهل المحبة ، وليعرفه بعد تمكينه حقائق المكاشفات ، وتأويل لطائف المنامات ، وما يبرز من الملكوت في اللبس المجهولة من تصرف الملائكة ، وقوله : ( والله غالب على أمره ): إن كان إنهاء راجعه إلى يوسف عليه السلام ، هو تعالى المتولي على أمر يوسف عليه السلام ؛ بأن خلصه من مكان الامتحان ، وبلغه إلى درجة الرضوان ، وبأن نجاه من فتنة الطغيان ، وورطة الحرمان ؛ بأن كشف له البرهان والسلطان حين مكر به الشيطان ، خلصه من كيد الحساد ، وجعله قبلة الأوتاد ، والله غالب على أمره حين دبر يعقوب عليه السلام في حقه ما دبر ؛ ليعرفه غلبة سلطان قهره واستيلاء تقديره على تدبيره غالب على أمر يوسف عليه السلام ؛ حين برأه من آفة شهوة زليخا حين همت به وهم بها ، قال تعالى : ( لو لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ).
وأيضا : والله غالب على أمره على أمر عشقه ، وعشق زليخا ؛ لأن مكان العشق ممزوج بطباع الإنسانية ، وإن كان صرف العشق من زند نعوت عشق الأزل ، فكشف له سلطنة الكبرياء ، وخلصه بالكبرياء من مقام العشق الممزوج بطبع البشر ؛ كأنه غلب الصفة على الصفة ، وإن كان الهاء راجعا إلى الله سبحانه.
فيه إشارة لطيفة : إن أمره من عالم الفعل ، والأحكام والرسوم الشريعة والطريقة ، والعقول مكلفة به ، أمر رسما وغلب قهرا أمر بالشريعة ، وغلب مقادير الأزلية أمرا أمرا ، وغلب على أمره بنسخه وتبديله أمر يوسف عليه السلام بالتبرؤ من الأغيار ، وبألا يلتفت إلى الحدثان في مكان العرفان ، لكن غلب جلال قدره ، وانكشف ليوسف عليه السلام في وجه زليخا ، فأظهر القدس ، وجره بالقدس إلى الهمة ؛ ليذيقه حلاوة عشق الإنسان ؛ ليفوز به عشق الرباني ، ومن هناك رقاه إلى مدارج ملك الازال والاباد ، ومن لم تكن بدايته عشقا كان من المجاهدين لا من العارفين ، لا بأن العشاق طاروا إلى جناب مشاهدة الحق ، وإن العشق مركب عشقه ، والعشق من عشقه صدر ؛ لأنه كان عاشقا في الأزل ، وعشقه معادن جميع عشق العشاق.
قال تعالى : ( يحبهم ويحبونه ) [المائدة : 54] : كما أن حسن يوسف وزليخا وجميع الحسن في العالم انشعب من حسنه وجلاله وجماله ، كأن عشقه غلب على أمر العبودية ؛ لأن العشق صفة الربوبية ، ولم يكن عجبا غلبة الربوبية على العبودية.
وأيضا : ما دام الأمر خارجا عن أماكن الأفعال وصار صرف الصفات فهو غالب على جميع الحدثان ، وتدبير أهل العرفان ؛ لأنه واحد في ملكه ، أحد في ملكوته ، والكائنات خاضعة فانية لجبروته.
Halaman 158