630

Carais Bayan

عرائس البيان في حقائق القرآن

Wilayah-wilayah
Iran
Empayar & Era
Abbasiyah

فجازهم من سطوات القهر ؛ لأن رحمته سبقت على غضبه ، ولولا كشف جماله لهم لبقوا في حجاب النكرة واحترقوا.

وأيضا : ( لما آمنوا ) أي : عرفوا صفات الحق بعد بروز أنوارها في قلوبهم ارتفع عنهم عذاب البعد والفراق ، ثم بين اختصاص المختصين واصطفائية المصطفين أنها بمشيئة الأزلية ولا بعلة الاكتساب يكون الولي وليا ، بل بفواتح كرمه وسوابق نعمه قوما من العارفين وبقهر قدمه يضع آخرين.

( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ) (1).

وصرح الحق أن لو شاء لخلقهم جميعا مستعدين للولاية بقوله : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا )، ولكن جعل قوما غذاء رحمته السابقة ، وجعل قوما غذاء قهره الأول ؛ لتكون الصفتان على قوام حظهما من البرية ، وتبين خاصية أحبائه وطرد أعدائه ، وفيه إياس الطامعين في إيمان من ليس له أهليه لمعرفته.

قوله تعالى : ( وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ): كل نفس ليس لها استعداد معرفته وقبول محبته ، وليس بها من الله سابقة حسن عنايته في الأزل بنعت اصطفائيتها بالولاية كيف تعرفه ، ومعرفته نتائج أنوار طوالع صفاته في قلوب العارفين.

قوله عز وجل : ( لآمن من في الأرض ) أراد بمن في الأرض : الأنس والجن ، كما دلت عليه كلمة من ، فإنهم هم المكلفون : منهم المؤمنون ، ومنهم الكافرون.

وأما من في السماء ، وما في الأرض من الملائكة ، وما عدا الإنس والجن ؛ فهم مؤمنون مسبحون ، باقون على فطرته الأصلية ، لا يحتاجون إلى الدعوة والتبليغ.

قوله عز وجل : ( كلهم جميعا ) أي مجتمعين في الإيمان ؛ كاجتماع الملائكة في سجدة آدم ، واجتماع بعض القبائل والطوائف على الإيمان ، كما دل عليه قوله تعالى : ( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ) [النصر : 2] ؛ فإن بعض الناس إذا دخلوا في دين الله مجتمعين بمشيئة الله تعالى ؛ فكلهم من شأنهم الدخول فيه كذلك ؛ لكن الله لم يشأ ذلك لحكمة تقتضيه ؛ وهي كون الموطن موطن الجمال والجلال ، وظهور آثار الأسماء الإلهية مطلقا ، فلو آمن كلهم ؛ لبقى بعض الأسماء بحيث لا حكم له في العين ، وذلك ينافي جمعية نشأة الإنسان.

Halaman 100