Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) (1) التوبة توبتان :
توبة العبد : وهى الرجوع من الزلات إلى الطاعات.
وتوبة الله : رجوعه إلى الله بنعت الوصال ، وفتح باب الماب ، وكشف النقاب عن الاحتجاب ، وطلب العتاب :
إذا مرضتم أتيناكم نعودكم
وتدينون فنأتيكم فنعذر
انظر لطف الله بنبيه وأصحابه ، كيف تاب لأجلهم مكان توبتهم ، رجع إليهم قبل رجوعهم إليه ؛ ليسهل عليهم طريق الرجوع إليه ، فرجوعه إلى نبيه بكشف المشاهدة ، ورجوعه إليهم بكشف القربة ، فتوبة النبي عليه السلام من غيبته عن المشاهدة باشتغاله بأداء الرسالة ، وتوبة القوم من غيبتهم عن ملاحظة الحضرة ، فلما ذاقوا طعم الجنايات ، واحتجبوا عن المشاهدات ، أدركهم فيض الوصال ، وانكشف لهم أنوار الجمال ، وهكذا سنة الله مع الأنبياء والأولياء إذا دانوا في مقام الامتحان ، وبقوا في الحجاب عن مشاهدة الرحمن ، يمطر عليهم وابل سحاب الكرم ، ويلمع لأبصار أسرارهم نور شرق القدم ، فيؤنسهم بعد إياسهم ، ويوصلهم بعد قنوطهم.
قال تعالى : ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) [الشورى : 28] ، وقال : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ) [يوسف : 110] ، وأنشد في معناه :
نا كمن ألبس أكفانه
وقرب النعش من الملحد
قال بعضهم : توبة النبي صلى الله عليه وسلم ، هي مقدمة توبة الأمة ؛ لتصح بالمقدمة التوابع من توبة التائبين.
وقال بعضهم : توبة الأنبياء لمشاهدة الخلق في وقت الإبلاغ ، إذ الأنبياء لا يغيبون عن الحضرة ، بل لا يحضرون في مواضع الغيبة ؛ لأنهم في عين الجمع أبدا ، ثم خص الثلاثة الذين غرقوا في بحار الامتحان ، برجوعه عليهم بقبول توبتهم ، بقوله :
Halaman 55