197

Carais Bayan

عرائس البيان في حقائق القرآن

Genre-genre

قوله تعالى : ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) نصر الله سكينته وقعت من نور تجلي الحق سبحانه في قلوب العارفين ؛ حيث توجهت من الحدثان إلى جلاله بنعت التضرع في عظمته وكبريائه ، فلما تلبست أنوار الغيب مع نور البسط والرجاء ، فقويت بها الأشباح فأيدت لهم بحلول الأزل وقوته ، فحينئذ انحسرت جنود القهر بسطوة الهيبة عن معارك عساكر اللطف.

وذلك قوله : «سبقت رحمتي غضبي» (1)، وحقائقه مشروحة في ترقي مقامات دنو النبي صلى الله عليه وسلم وذلك إشارته في سجوده بقوله : «أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك» (2).

نصر الله في المريدين توفيقهم في قمع الشهوات ، ونصره في المحبين نور اليقين من تبسم فلق صبح الأزل بنعت المداناة ، ونصره في العارفين انفتاح كنوز أسرار علوم المجهولة بمفاتيح كشف المشاهدات.

قال بعضهم : إنما يدرك نصر الله من تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه في جميع أسبابه ؛ لأن من اعتمد على حوله وقوته ورأى الأشياء منه ، فإنه مردود إلى حول الله وقوته وعلمه.

قال الأستاذ : نصرته بالتوفيق بلا أشباح ، ثم بالتحقيق للأرواح.

ويقال : ينصركم بتأييد الظاهر ، وتسديد السرائر.

ويقال : النصرة إنما يكون على العدو ، وأعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ، النصر على تهزم دواعي فتنتها بعواصم رحمته حتى تنقص جنود الشهوات بهجوم وقود المنازلات ، فتبقى الولاية خالصة عن شبهات الدواعي التي هي أوصاف البشرية ، وشهوات النفوس وأمانيها التي هي آثار الحجبة وموانع القربة.

قوله تعالى : ( وما كان لنبي أن يغل ) مقدس أسراره عن دنس الخطرات ، ووصفه بالأمانة عند إخباره عن أنباء الغيب لم يجر على قلبه عند بيان الشريعة والطريقة ، مداهنة لرؤية شريف ووضيع ، ولم يخف حق الله عز وجل عن عباده وأعطى علم الحق لأهل الحق ، وبين المحجوبين آية الحق ببرهان الحق ، ولم يخط في طريق الحق خطوة بحظ نفسه.

قال بعض المشايخ : ( وما كان لنبي ) أن تستأثر بالوحي والشريعة بعض متبعيه على بعض.

Halaman 207