Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
وقال بعضهم : ( وهب لي ملكا ): أي المعرفة بك حتى لا أرى معك غيرك ولا تشغلني كثرة عروض الدنيا عنك.
قال الجنيد : هب لي ملكا ثم رجع ونظر فيما سأل فقال : ( لا ينبغي لأحد من بعدي ) أن يسأل الملك ؛ فإنه يشغل عن المالك (1).
وقال ابن عطاء : سأله ملك الدنيا ؛ لينظر كيف صبره من الدنيا مع القدرة عليها.
وقال ابن دانيار : استغفر ثم سأل الملك أعلم بذلك أن الملك لا يخلو من الفتن ظاهرا وباطنا ، فجعل أول سؤاله الاستغفار.
( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38))
قوله تعالى : ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ) (36) : كان عليه السلام من فرط حبه جمال الحق يحب أن ينظر إلى صنائعه وممالكه ساعة فساعة من المشرق إلى المغرب ؛ حتى يدرك عجائب ملكه وملكوته ، فسخر الله له الريح الرخاء ، وأجراها بمراده حيث أصاب ، وهذا جزاء صبره في ترك حظوظ نفسه ، وفي إشارة الحقيقة سهل له هبوب رياح الشوق والمحبة ، فتسرى بروحه إلى قرب مولاه إذا قصد بسره إليه.
قال محمد بن الفضل : انظر إلى ما أوتي سليمان من الملك الريح التي لا حاصل لها ، والشياطين الذين هم أعداؤه ليعلم أن الركون إلى الدنيا ركون إلى ما لا حاصل له ومجاورة الأعداء.
( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39))
قوله تعالى : ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ): فيه إشارة الحقائق أي : ما أعطيتك فهو مقام الاتحاد ، وهو عطاء عظيم جعلتك خليفة لي ، فامنن بمنتي على عبادي ، أو أمسك عنهم بإمساكي ، وهذا كما قال في إشارة عين الجمع إلى سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه بقوله : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) [الأنفال : 17] ، وكما قال سبحانه في بعض الحديث : «فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا» (2)، بين لسليمان
Halaman 195