كان أحد الأطباء الشبان يرفض الزواج ويتعلل بأن حالته المالية لن توفر له المعيشة الهنية في الزواج، وحدث ذات مرة أنه كان يفحص صبيا مريضا بالسل، فلما خلع الصبي ملابسه أحس الطبيب أنه قذف، وحملته هذه الحالة المفاجئة على أن يقصد إلى سيكلوجي ويقص عليه ما حدث، وبعد التحليل أفهمه هذا السيكلوجي أنه مصاب بشذوذ جنسي، وأن هذا الشذوذ هو العلة الحقيقية التي تمنعه من الزواج.
فهنا طبيب في مركز اجتماعي يطالبه بالوقار والاستقامة قد حبس عاطفة شاذة ونجح في إخفائها حتى على نفسه، ولكنها في لمحة غاب فيها الوجدان وثبت وحققت وجودها، وكان يتعلل بعلل كاذبة للامتناع عن الزواج، فلما اتضحت له الحقيقة رأى الحلم التالي:
رأى أنه على باب مرقص معين، وقد خرج أحد مرضاه ومعه خطيبته، وكان هذا الخطيب مدينا له، فوقف الاثنان يحدثان الطبيب، ورفع الخطيب صوته بقوله: إنه سيؤدي دينه.
والتفسير أن الطبيب بعد أن عرف علته استخدم وجدانه في يقظته وحدث نفسه بضرورة الزواج، وارتضت عاطفته الجنسية هذا الانقلاب بعض الشيء، ووقف الخطيب يقول للطبيب ما معناه: «لا تخف الزواج من الناحية المالية التي تتعلل بها كذبا؛ فإني مدين لك وسأؤدي ديني، وسيفعل مثلي كثيرون هنا.»
ومعظم الأحلام ننساها عقب اليقظة، ولكنا إذا تركنا الاسترخاء يطول قليلا، وتركنا الخواطر المطلقة تتداعى بلا ضابط استطعنا أن نستعيدها، فنفهم معناها؛ أي إننا نستعيد الحلم بأن نستعيد حال النوم أو ما يقرب منه باسترخاء الأعضاء، ونترك الخواطر مطلقة بلا ضابط كما لو كانت حلما، والعادة الغالبة أن تكون هناك علاقة بين الحلم وبين حوادث اليوم السابق، ولكن ليس هذا محتوما.
وفي الحلم تبرز العواطف المكظومة ولكن على مستويات قديمة ربما تعود إلى حال الإنسان قبل أن يخرج من الغابة، كما ترى في الطفل يسقط في الحلم من مكان عال كأنه يعيش على شجرة؛ فإن خوفه هنا من صبي يضربه أو رجل ينهره قد اتخذ هذا المستوى القديم حين كان الإنسان لا يزال مع القرود يعيش على الشجر ويخشى السقوط، أو انظر إلى تاجر يخشى الإفلاس؛ فإنه يرى في الحلم أنه يغرق في البحر، أو انظر إلى زوجة تكره حماتها وتخشاها؛ فإنها تجد كابوسا في حلمها هو لبؤة أو كلبة تريد نهش لحمها.
ومن الأحلام التي رأيتها في شاب متدين يستمتع بطرب العقيدة ونشوتها أنه في الحلم يجد هذا الطرب قد استحال إلى طرب جنسي ساذج، وهذا هو ما ننتظر بعد التأمل القليل؛ لأن الأحلام تعبر عن العواطف المكظومة وتنحدر إلى المستويات القديمة، وأقدم ألوان الطرب عندنا هو الطرب الجنسي.
لا، بل أكثر من هذا؛ فإن الطرب الجنسي عام عند جميع الشبان، وهو ما نتسامى به كي نصل به إلى الطرب الفني أو الديني؛ فإذا كان موضوع الحلم فنيا أو عقيديا انحدر إلى المستوى الأصلي وهو الطرب الجنسي، فصار التعبير جنسيا؛ ومن هنا تفسير الاستهتار الذي وقعت فيه بعض الفرق الدينية القديمة؛ ومن هنا اتصال البغاء ببعض المعابد الوثنية قديما وحديثا.
والأحلام مفيدة؛ لأنها تفريج وتنفيس رخيصان للكظم والتوتر، والحلم هنا كالخمر، فنحن نأوي إلى فراشنا متوترين منقبضين فنلعب ونمرح في الحلم بخيالات سارة نضرب فيها خصمنا، أو نشبع فيها جوعا جنسيا، أو نربح فيها ورقة حظ، أو نحو ذلك، فنستيقظ في الصباح مرتاحين منبسطين قد تجدد نشاطنا، وأحيانا تجدنا مغتمين بغم لا نعرف سببه، وقد يرجع هذا إلى أننا حاولنا كظما في مشكلة معينة، والكظم هو ربط وضبط وحبس للعاطفة؛ ولذلك يعم هذا الكظم أحيانا سائر نشاطنا، فنكره الحركة والعمل ويشملنا جمود، ولو كنا قد وفقنا إلى حلم تفريجي لاستيقظنا نشطين سعداء، وبالطبع ليس الحلم تفريجا كاملا؛ لأننا في الصباح نعود إلى المشكلة، ولكنه يعطينا بعض الراحة بعض الوقت، أما التفريج الكامل فهو التحليل؛ أي إننا نضع المشكلة أمام الوجدان ونحلها الحل الموضوعي المنطقي.
وأحيانا يؤدي الحلم إلى حل مشكلة شاقة؛ لأن الكظم الذي نمارسه في الصحو يتشعع إلى كياننا كله فتجمد خواطرنا فنعجز عن التفكير، كما نرى في الخائف الذي تجمد من الخوف، ولكن الحلم يفكك روابط هذا الكظم وقيوده فتنطلق الخواطر وتتداعى فنهبط على حل. «وهنا يجب أن ننصح للقارئ بألا يروي حلمه - مهما ظنه بريئا - لأحد، إلا إذا وثق من أخلاقه؛ لأن أبسط الأحلام قد يكشفه كما لو باح بسر كان يحب أن يخفيه.»
Halaman tidak diketahui