Di Pintu Bab Zuwayla
على باب زويلة
Genre-genre
كان الرجل يتحدث والمرأة تستمع إليه ساهمة مذهولة، قد انفرجت شفتاها وبرقت عيناها في محجريهما لا تطرفان ... وكأنما أصابها المسخ فلم تتحرك حركة ولم تنبس بحرف ... إنها الساعة امرأة أخرى غير التي كانت منذ لحظات، حين خيلت لها الأماني أنها لقيت ولدها بعد ذلك الفراق، أو أوشكت أن تلقاه، فكأنما رأته بعينين وسمعته بأذنين، واستمعت إلى نجواه، ثم ها هي ذي تفقده ثانية ... ويفر من خيالها كما فر به النخاس ذات مساء في ليلة حالكة السواد منذ بضع وعشرين سنة ...
وأفاقت من ذهولها بعد قليل لتهتف جازعة: لا لا، إنك تعرف أين ولدي ولكنك تأبى ...
هز الرجل رأسه مشفقا وهو يقول: الصبر يا سيدتي! لقد أنبأتك بما عرفت، وإن همك ليحزنني ويعصر قلبي، إنني أنا مثلك أب وذو ولد، وليس الأمر من الحرج بحيث يدعو إلى اليأس، إنك يا سيدتي على الطريق منذ بضع وعشرين سنة، قد لقيت في هذه السنين من البأساء والضر ما لقيت صابرة، فهلا صبرت إلى هذه السنين بضعة أسابيع، أو بضعة أشهر حتى تلقيه أو يلقاك؟ لقد أوشكت أن تبلغي آخر الطريق إليه، ولا بد أن تلتقيا، فإذا كان تعاقب السنين قد غير صورته، فإن نور الأمومة في قلبك يهديك، وما أرى صورتك قد تغيرت في مرأى عينيه، إنك اليوم يا سيدتي في المدينة التي تخلف فيها ولدك دون أصحابه، ومن يدري؟ فقد يكون الساعة على مد الشعاع من عينيك، لولا هذه الجدران التي تفصل بين بيوت الناس!
قالت المرأة وقد ثاب إليها الهدوء وفاءت إلى الرضا: شكرا يا سيدي ، ومعذرة إليك، فهلا أتممت معروفك، فدللتني على بيت في هذه المدينة يشرف على الطريق العام؛ لأعيش فيه حتى يأذن الله لي في لقاء ولدي!
قال الرجل: لك علي ما تطلبين يا سيدتي، وسأكون لك منذ اليوم أخا وجارا إن أذنت لي، حتى تلقي ولدك إن شاء الله!
الفصل السادس والعشرون
لغز الحياة
لم يكد ركب المحمل يفصل عن القاهرة وينتهي رمضان حتى دهم القاهرة شر عظيم، فقد ظهر الطاعون في أحياء متفرقة من المدينة، ثم لم يلبث أن انتشر، ففي كل زقاق نواح على ميت، وفي كل دار مطعون يرقبه أهله مشفقين وجلين. وازدحمت الجنائز في الطريق حتى لا تنقطع مواكبها، وتجاوبت أصوات النوادب ودفوف النائحات من شرق المدينة إلى غربها، وشمل أهل المدينة الخوف والفزع؛ حتى ليظن كل حي أن الموت مصبحه أو ممسيه في نفسه أو في أحد من أهله، وحتى بلغ عدد الوفيات في المدينة كل يوم أربعة آلاف مطعون.
وفزع الناس إلى الله تائبين نائبين، وخفف السلطان من غلوائه وأشفق على نفسه من يوم قريب، فنادى مناديه في القاهرة بإبطال ضريبة الجمعة، وضريبة الشهر، وحرم بيع الخمر، وحظر على النساء أن يخرجن من دورهن إلا مؤتزرات منتقبات، وأغلق بيوت البغاء، ومنع النواح على الموتى بالدفوف، ولجأ إلى الله في خلواته يستجير من هذا البلاء النازل.
واستمر الوباء يحصد الأرواح، لم يمنعه دعاء الداعين ولا توبة التائبين، فلم يدع بيتا في القاهرة إلا دخله، وما دخل دارا إلا عاد إليها، حتى قصر السلطان نفسه - على رغم من يحيط به من الحراس الأشداء الغلاظ - لم يسلم من ذلك الوباء، فماتت سرية من سراري السلطان مطعونة، ومات ولدها الذي كان الغوري يرجوه لولاية عهده، وماتت ابنته العروس الشابة جان سكر قبل أن يغيب هلال شوال، وقبل أن يبلغ الحاج منتصف الطريق إلى البلد الحرام!
Halaman tidak diketahui