Bustan Al-Arifin
بستان العارفين
بستان العارفين
للفقيه الزاهد العالم العامل والأستاذ المحدث المتقن الكامل
مولانا الشيخ نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي
Halaman 301
رضي الله عنه آمين
Halaman 302
{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} (قرآن كريم)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد له رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى عباد الله الصالحين من أهل السموات والأرضين.
(قال الفقيه) أبو الليث الزاهد نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي رحمة الله تعالى عليه: إني قد جمعت في كتابي هذا من فنون العلم ما لا يسع جهله ولا التخلف عنه للخاص والعام واستخرجت ذلك من كتب كثيرة وأوردت فيه ما هو الأوضح للناظر فيه والراغب إليه، وبينت الحجج فيما يحتاج إليه من الحجة بالكتاب والأخبار والنظر والآثار، وتركت الغوامض من الكلام، وحذفت أسانيد الأحاديث تخفيفا للراغبين فيه وتسهيلا للمجتهدين والتماسا لمنفعة الناس، وأنا أرجو الثواب من الله تعالى [وسميته: بستان العارفين] وأسأل الله التوفيق فإنه عليه يسير وهو على ما يشاء قدير نعم المولى ونعم النصير.
الباب الأول: في طلب العلم
(قال الفقيه) رحمه الله: اعلم أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة على قدر ما يحتاج إليه لأمر دينه مما لا بد له من أحكام الوضوء والصلاة وسائر الشرائع ولأمور معاشه، وما وراء ذلك ليس بفرض خاص فإن تعلم الزيادة فهو أفضل وإن تركه فلا إثم عليه. وإنما قلنا إن تعلم مقدار ما يحتاج إليه فريضة لأن الله تعالى قال: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقال في آية أخرى: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} فأخبر الله تعالى أنهم صاروا من أهل النار لجهلهم.
Halaman 303
وروى مكحول عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)) وفي خبر آخر ((اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)) وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أصحابه، وعليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه. ثم تكلم الناس في طلب الزيادة قال بعضهم: إذا تعلم من العلم مقدار ما يحتاج إليه ينبغي أن يشتغل بالعمل به ويترك التعلم، وقال بعض الناس: إذا اشتغل بزيادة العلم فهو أفضل بعد أن لا يدخل النقصان في فرائضه وهذا القول أصح. فأما حجة الطائفة الأولى فيما روى جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن أبي الدرداء قال: ويل للذي لا يعلم مرة وويل للذي يعلم ولا يعمل به سبع مرات. وروي عن فضيل بن عياض أنه قال: من عمل بما يعلم شغله الله تعالى عما لا يعلم. وقال: لأن العمل لنفسه وطلب الزيادة لغيره، فالاشتغال بأمر نفسه بما هو لنفسه أولى لأن فكاك رقبة نفسه أهم إليه: وأما حجة الطائفة الأخرى فقول الله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} الآية، وقال في آية أخرى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقال في آية أخرى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب} الآية. قال أهل التفسير: يعني كونوا فقهاء علماء. وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فضل العلم خير من العمل وملاك دينكم الورع)). وعن الحسن البصري رحمه الله قال: من العمل أن يتعلم الرجل العلم فيعلمه الناس. وعن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: تذاكر العلم ساعة من الليلة أحب إلى الله من إحيائها. وعن عوف بن عبد الله قال: جاء رجل إلى أبي ذر الغفاري فقال: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه ولا أعمل به، فقال: إنك إن تتوسد بالعلم خير لك من أن تتوسد بالجهل، ثم ذهب إلى أبي الدرداء فسأله فقال أبو الدرداء: إن الناس يبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه: العالم عالما والجاهل جاهلا، ثم ذهب إلى أبي هريرة فسأله عن ذلك فقال له أبو هريرة: كفى بتركه ضياعا. وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: الناس رجلان عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة وسائرهم همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، والعلماء باقون ما بقي الدهر وأعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة، ولأن منفعة العمل لنفسه خاصة ومنفعة العلم ترجع إلى نفسه وإلى الناس عامة فصار هذا أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خير الناس من ينفع الناس)) وروي ((أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ فقال: العلم، فسأله ثانيا وثالثا فأجابه مثل جوابه الأول، فقال: يا رسول الله عليك السلام إني أسالك عن العمل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل يقبل الله الأعمال إلا بالعلم)) وروي ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أفضل ما يتصدق به العبد أن يتعلم العلم ثم يعلمه غيره)) والأخبار في هذا كثيرة.
Halaman 304
الباب الثاني: في كتابة العلم
(قال الفقيه) رضي الله تعالى عنه: كره بعض الناس كتابة العلم وأباح ذلك عامة أهل العلم، فأما حجة من كره ذلك فما روى الحسن البصري ((أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله إن ناسا من اليهود والنصارى يحدثون بأحاديث أفلا نكتب بعضها؟ فنظر إليه نظرة عرف بها الغضب في وجهه قال: ((أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم ببيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي)) فقيل للحسن ما المتهوكون؟ قال: المتحيرون. وروى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ((أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة العلم الحسن فلم يأذن له)) وعن ابن مسلم قال: كان ابن عباس ينهى عن الكتابة ويقول إنما ضل من كان قبلكم بالكتابة. وروى ابن أبي داود عن أبيه قال: جاء أصحاب عبد الله بن مسعود إلى عبد الله فقالوا إنا قد كتبنا عنك علما أفنعرضه عليك فتبينه لنا؟ قال: نعم، فأتوه بذلك فأخذ الكتاب فغسله بالماء ثم رده عليهم.
Halaman 305
قال الفقيه: وذلك أنهم إذا كتبوا الكتاب اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ فيعرض على الكتابة عارض فيفوت علمهم، ولأن الكتاب مما يزاد فيه وينقص، ولأن الكتاب يمكن أن يزاد فيه ويغير والذي حفظ لا يمكن التغيير فيه، ولأن الحافظ يتكلم بالعلم والذي أخبر عن الكتاب أخبر بالظن من غير حفظ، وأما حجة من قال بأنه يجوز فما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب أنا، وعن ابن جريج بن معرور أنه قال: قال عبد الله بن عمر ((يا رسول الله إنا لنسمع منك الحديث أفنكتبه عنك؟ قال: نعم قلت في الرضا والسخط؟ قال: نعم، فإني لا أقول فيهما إلا حقا)) وقال معاوية بن قرة: من لم يكتب علما فلا يعد علمه علما. وقال الله تعالى خبرا عن موسى عليه الصلاة والسلام حين سألوه عن القرون الأولى قال موسى عليه السلام: {علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى}. وعن ربيع بن أبي أنيس عن جديه زيد وزياد أنهما قدما على سليمان بن عبد الملك ليلا فلم يزل يحدثهما ويكتبان حتى أصبحا. وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لا يعجزن أحدكم أن يكون عنده كتاب من هذا العلم، ولأن فيه بلوى فلو لم يكتب لذهب عنه العلم ولو كتب لرجع إليه فيما ينسى أو يشكل عليه مسرورا. وهذا كما حكي أن أبا يوسف عاب محمدا في كتابة العلم، فقال محمد: إني خفت ذهاب العلم لأن النساء لا يلدن مثل أبي يوسف ولأن الأمة قد توارثت كتابة العلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) وما رآه المسلمون شينا فهو عند الله شين)) وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تجتمع أمتي على الضلالة)) ولأنهم لما توارثوا ذلك صار ذلك سبيل المؤمنين حقا بدليل الخبر، وقال عليه الصلاة والسلام: ((أصحابي كالنجوم الزاهرة بأيهم اقتديتم اهتديتم)) وعن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اكتبوا هذا العلم من كل غني وفقير ومن كل صغير وكبير، ومن ترك العلم من أجل أن صاحب العلم فقير أو أصغر منه سنا فليتبوأ مقعده في النار)).
الباب الثالث: في الفتوى
(قال الفقيه) الزاهد أبو الليث رحمه الله: كره بعض الناس الفتوى وأجازها عامة أهل العلم إذ كان الرجل ممن يصلح لذلك. فأما حجة الطائفة الأولى فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أجرؤكم على النار أجرؤكم على الفتوى)) وروي عن سلمان أن أناسا كانوا يستفتونه فقال: هذا خير لكم وشر. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتوى. وعن ابن سيرين أنه قال: قال حذيفة بن اليمان: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بدا من ذلك، أو أحمق متكلف وكان ابن سيرين إذا سئل عن شيء يقول: لست بأحد هذين وأكره أن أكون الثالث. وأما حجة من أباح ذلك فما روي عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل بن معبد قالوا: ((كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل فقال: أنشدك الله اقض بيننا بكتاب الله تعالى، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال صدق اقض بيننا بكتاب الله تعالى وائذن لي فأقول، فأذن له عليه الصلاة والسلام فقال: إن ابني هذا كان عسيفا على هذا الرجل وإنه زنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابنك جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأته الرجم)) ففي هذا الحديث دليل على جواز الفتوى لأنه قال سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني فلم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواهم، وفي الخبر أيضا دليل على أن الفتوى تجوز وإن كان غيره أعلم منه ألا ترى أنهم كانوا يفتون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ((أنه سئل عن محرم كسر بيض نعامة، فأمره علي بكل بيضة أن ينحر ولد ناقة، فجاء السائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فقال له رسول الله قد قال لك علي ما سمعت ولكن هلم إلى الرخصة فعليك بكل بيضة إطعام مسكين)) وروي عن أبي هريرة أنه سئل بالبحرين عن حلال إذا ذبح صيدا فأكله محرم فقال يجوز، فلما رجع أبو هريرة إلى عمر أخبره بذلك، فقال عمر لو قلت غير هذا لفعلت بك كذا وكذا، ولأن الصحابة كانوا يفتون في الحوادث)) وهكذا توارث المسلمون ولأن الله تعالى قال: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} فلما أمر الله تبارك وتعالى الجهال بأن يسألوا العلماء فقد أخبر العلماء بأن يخبروهم إذا سألوهم عن ذلك. وحكي أن جماعة اختاروا من العقلاء ثلاثة ليذكروا: من أعقل؟ فاجتمع رأيهم أعقل الناس من يقول ما يعلم.
Halaman 306
الباب الرابع: فيمن يجوز له الفتوى
(قال الفقيه) أبو الليث رحمه الله: لا ينبغي لأحد أن يفتي إلا أن يعرف أقاويل العلماء يعني أبا حنيفة وصاحبيه، ويعلم من أين قالوا ويعرف معاملات الناس، فإن من عرف أقاويل العلماء ولم يعرف معاملات الناس ومذاهبهم فإن سئل عن مسألة يعلم أن العلماء الذين ينتحل مذهبهم قد اتفقوا عليها فلا بأس بأن يقول هذا جائز وهذا لا يجوز ويكون قوله على سبيل الحكاية، وإن كانت مسألة قد اختلفوا فيها فلا بأس بأن يقول هذا جائز في قول فلان؛ ولا يجوز له أن يختار قولا فيجيب بقول بعضهم ما لم يعرف حجته. وروي عن عصام بن يوسف أنه قال: كنت في مأتم فاجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة منهم زفر بن الهذيل وأبو يوسف وعاقبة بن يزيد وآخر وهو الحسن بن زياد، فكلهم أجمعوا أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا. وروى إبراهيم بن يوسف عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا. وروي عن عصام بن يوسف أنه قيل له إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة قد أوتي من الفهم ما لم نؤت فأدرك بفهمه ما لم ندركه، ونحن لم نؤت من الفهم إلا ما أوتينا ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم من أين قال.
(قال الفقيه) رحمه الله: ينبغي لمن جعل نفسه مفتيا أو تولى شيئا من أمور المسلمين وجعل وجه الناس إليه أن لا يردهم قبل أن يقضي حوائجهم إلا من عذر، ويستعمل الرفق والحلم وروى القاسم بن محمد عن ابن أبي مريم وكانت له صحبة مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من ولي من أمور المسلمين شيئا واحتجب دون خلتهم يوم حاجتهم وفاقتهم احتجب الله تعالى يوم القيامة دون خلته وفاقته وحاجته)) وينبغي للمفتي أن يكون متواضعا لينا ولا يكون جبارا عنيدا ولا فظا غليظا لأن الله تعالى قال: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)).
الباب الخامس: من الاختلاف
Halaman 307
(قال الفقيه) أبو الليث رضي الله تعالى عنه: تكلم الناس في مسألة اختلف العلماء فيها، قال بعضهم: كلاهما صواب وهو قول المعتزلة، وقال بعضهم: أحدهما صواب والآخر خطأ إلا إنه رفع عنه الإثم وهذا القول أصح. فأما حجة الطائفة الأولى فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقطع نخيل بني النضير فكان أبو ليلى المازني يقطع النخل العجوة وكان عبد الله بن سلام يقطع اللوز، فقيل لأبي ليلى لم تقطع العجوة؟ قال: لأن فيه كبتا للعدو فقيل لعبد الله بن سلام لم تقطع اللوز؟ فقال لأني أعلم أن النخيل تصير للنبي صلى الله عليه وسلم فأريد أن تبقى له العجوة، فنزل قوله تعالى {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} فقد رضي الله تعالى بما فعل الفريقان جميعا. وأما حجة الطائفة الأخرى فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه لقال لعمرو بن العاص: إقض بين هذين، فقال أقضي وأنت حاضر؟ فقال: نعم، قال: على ماذا أقضي؟ قال: على أنك إن أصبت فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك أجر واحد)). فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المجتهد في اجتهاده قد يخطئ وقد يصيب، ولأن الله تعالى قال: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} إلى قوله تعالى {ففهمناها سليمان} فمدح الله تعالى سليمان بأنه أدرك بفهمه ما لم يدرك به داود عليهما السلام، ولو كان كلا الحكمين صوابا في اجتهاد الرائي لكان لا يستوجب المدح بفهمه، ولو كان أحد القولين خطأ فقد رفع الإثم عنه لأنه كان مأذونا له الاجتهاد. وروى موسى الجهني عن طلحة بن مطرف أنه كان إذا ذكر عنده الاختلاف فقال: لا تقولوا الاختلاف ولكن قولوا السعة. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما أحب أن يكون لي باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حمر النعم: يعني أن اختلافهم أحب إلي من حمر النعم لأنهم لو لم يختلفوا لكان لا يجوز لأحد بعدهم الاختلاف وإذا لم يجز الاختلاف لضاق الأمر على الناس. وروي عن القاسم بن محمد قال: اختلاف الصحابة كان رحمة للمسلمين.
الباب السادس: في رواية الحديث بالمعنى
(قال الفقيه) رحمه الله: اختلف الناس في رواية الحديث بالمعنى. قال بعضهم: لا يجوز إلا بلفظه، وقال بعضهم: يجوز وهو الأصح. أما حجة الطائفة الأولى فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رحم الله امرأ سمع مني حديثا فبلغه كما سمع)) وروى البراء بن عازب ((أن النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا دعاء وكان في آخر دعائه ((آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت)) فقال الرجل وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قل ونبيك الذي أرسلت فنهاه عن تغيير اللفظ)) وأما حجة من قال إنه يجوز بالمعنى فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا فليبلغ الشاهد الغائب)) فقد أمرنا بالتبليغ عاما. وروي عن واثلة بن الأسقع وكان من الصحابة قال: إذا حدثناكم حديثا بالمعنى فحسبكم. وقال ابن عوف: كان إبراهيم النخعي والشعبي والحسن البصري يؤدون الحديث بالمعنى. وقال وكيع: لو لم يكن بالمعنى واسعا لهلك الناس وقال سفيان الثوري: إني لو قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، ولأن الله تعالى قال: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} بلفظ العربية، ولو كان قومهم لا يفقهون بلفظ العربية فلا بد له من البيان والتفسير، فثبت أن العبرة للمعنى لا للفظ.
Halaman 308
الباب السابع: في رواية الحديث والإجازة
(قال الفقيه) أبو الليث رضي الله تعالى عنه: اختلف الناس في رواية الحديث لو قال مكان حدثنا أخبرنا أو قال مكان أخبرنا حدثنا يجوز أم لا؟ قال بعض أهل الحديث: إذا قرأت الحديث على محدث فأردت أن تروي عنه ينبغي لك أن تقول أخبرنا فلان، وإن كان لمحدث قرأ عليك فقل حدثنا فلان. وقال أكثر أهل العلم: كلاهما سواء وبه نأخذ. وقد روي عن أبي يوسف القاضي رحمه الله أنه قال: إذا قرأت الحديث على فقيه أو قرأ عليك فإن شئت قلت حدثنا، وإن شئت قلت أخبرنا، وإن شئت قلت سمعت من فلان: وروي عن أبي مطيع أنه قال: سألت أبا حنيفة فقلت له أقول: حدثنا أو أقول أخبرنا قال: إن شئت قلت حدثنا وإن شئت قلت أخبرنا. وروي عن شعبة بن الحجاج أنه قال: إن شئتم قلتم حدثنا وإن شئتم قلتم أنبأنا وإن شئتم قلتم أخبرنا، وإن قال المحدث أجزت لك أن تحدث عني فلا يجوز لك أن تقول حدثنا ولا أخبرنا، وجاز أن تقول أجازني فلان.
(قال الفقيه) رحمه الله: سمعت الخليل بن أحمد القاضي رحمه الله قال: سمعت أبا طاهر أحمد ابن سفين الديامي قال: إذا قال المحدث أجزت لك فكأنه قال أجزت لك بأن لا تكذب علي.
(وقال الفقيه) رحمه الله: ولو كتب إليك المحدث بحديث أو دفع إليك كتابه وقال حدثني فلان بجميع ما فيه جاز لك أن تقول، أخبرنا فلان ولا يجوز أن تقول حدثنا فلان لأن الكتابة خبر والحديث لا يكون إلا بالمخاطبة، ألا ترى لو أن رجلا حلف أن لا يخبر فلانا بكذا، فكتب إليه بذلك فإنه يحنث، ولو حلف بأن لا يحدثه فكتب إليه فإنه لا يحنث ما لم يخاطبه. وروى أبو ضمرة عن عبد الله بن عمر قال: رأيت عبد الله بن شهاب يؤتى بالكتاب فيقال له هذا كتابك عرفته؟ فيقول: نعم، فيرضون بما قرأه عليهم وما قرؤوه عليه فينسخون ويخبرون به. وروى عبد العزيز بن أبان عن شعبة قال: كتب إلي منصور بن المنعم بحديث فلقيته فسألته عن ذلك فقال أليس قد كتبت إليك كتابا؟ فقلت له إذا كتبت إلي فقد حدثتني به؟ قال نعم، فذكرت ذلك لأيوب السختياني فقال صدق إذا كتب إليك فقد حدثك. وروي عن محمد بن الحسن رحمه الله أنه قال: كتابة العلم إليك وسماعك منه بمنزلة واحدة يجوز الرواية عنه إذا كتب إليك كما يجوز لو سمعت منه، ولكن يختلفان في لفظ الرواية.
الباب الثامن: في أخذ العلم من الثقات
Halaman 309
(قال الفقيه) أبو الليث رحمه الله: ينبغي أن لا يؤخذ العلم إلا من أمين ثقة لأن قوام الدين بالعلم، فينبغي للرجل أن لا يأتمن على دينه إلا من يجوز أن يؤتمن على نفسه. وروى عباد بن كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تحدثوا ممن لا تقبلون شهادته)) وعن محمد بن سيرين قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. وعن المحسن أنه قال: من قال قولا حسنا وعمل عملا سيئا فلا تأخذوا عنه علما ولا تعتمدوا عليه، فإن قيل أليس قد روى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: العلم ضالة المؤمن حيثما وجده أخذه)) قيل له حيثما وجده أخذه إذا كان الذي أخبره به ثقة وكلامه ينجع، وأما إذا كان الذي أخبره به غير ثقة فلا يأخذه منه، ولو أن رجلا سمع حديثا أو سمع مسألة فإن لم يكن القائل ثقة فلا يسع أن يقبل منه إلا أن يكون قولا يوافق الأصول فيجوز العمل به ولا يقع به العلم، وكذلك لو وجد حديثا مكتوبا أو مسألة فإن كان موافقا للأصول جاز له أن يعمل به وإلا فلا. وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حديث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
الباب التاسع: في إباحة مجلس العظة
Halaman 310