257

قلت: وأنا أمثل هذا في الزكاة وأنت تقيس عليه غيره مثله أو دونه في التدرج حد ما يفهم حكمه وذلك نحو أن يقول الشارع: آتو الزكاة خطابا لمن لم يعرف الشرع فإنه مكلف أولا بمعرفة عرف الشرع، ثم معرفة ما هو الواجب؛ فإذا عرف بالسنة مثلا أن في بعض المكيلات العشر وفي بعضها نصف العشر فلا بد أن يعرف بعد ذلك إلى أن لا زكاة في المكيل حتى يبلغ خمسة أوسق، ولا بد أن يعرف أن كلام النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حجة يقع به بيان المجمل لأنه رسول حكيم لا يرسل من يجيز الكذب لأن فيه تصديق الكاذب، والكذب قبيح والله -سبحانه وتعالى- يتعالى عن كل قبيح، ولا يعرف هذا إلا بعد معرفة الصانع -تقدس وتعالى- عن كل قبيح، وبعد معرفة صفاته التي لذاته من توحيده وحكمته وعلمه وعدله وصدقه وغير ذلك، ولا بد أن يعرف التحسين والتقبيح أولا بمدارك العقل، ويعرف ما تفرد به الصانع -سبحانه وتعالى- من أفعاله، وما أقدر العباد عليه من أفعالهم بأن خلق لهم الآلات التي من [95ب-أ] جملتها القدرة المحدودة المتناهية التي يتمكن بها على فعل الشيء أو تركه اختيارا بعد تقدم إرادة للعبد مترددة بين أن يفعل وأن لا يفعل وأن هذه الإرادة من العبد غير موجبة للفعل ولا مؤثرة فيه لأن قدرة العبد وإرادته يخالفان قدرة الله -سبحانه وتعالى- وإرادته؛ فإن قدرة الله -سبحانه وتعالى- غير متناهية وفعله تعالى ليس إلا إرادته للشيء أن يقول له كن فيكون.

قلت: وهذا هو الفرق بين القادر لذاته -سبحانه وتعالى- والقادر منا بقدرة مخلوقة فإن القادر لذاته -سبحانه وتعالى- لا يشغله شأن عن شأن وقدرته على كل شيء بلا نهاية، والقادر منا بقدرة مخلوقة محدودة متناهية إنما قدرته مقتصرة على القدر الذي يقدر(1) عليه؛ فإذا فعل مقدورا واحدا مما يدخل تحت مقدوره تعذر عليه فعل غيره مقدور له ثانيا في ذلك الوقت بعينه.

Halaman 45