Bayzara
البيزرة
Penerbit
مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي له في كل لطيف من قدرته معجز يتفكر فيه، وخفي من صنعه يتنبه (له) ويدل عليه، ونعم تقتضي مواصلة حمده، ومنن تحث على متابعة شكره، والذي ميز كل نوع من حيوان خلقه على حدته، وأبانه بشكله وصورته، وجعل له من الآلة ما يلائم طبعه مركبه؛ ويسره للأمر الذي خلق له، ويؤديه إلى مصلحته وقوام جسمه، وجعلنا من أشرف ذلك كله نوعا، وأتمه معرفة، وجمع فينا بالقوة ما فرقه في تلك الأصناف بالآلة، فليس منها شيء مخصوص بحال له فيها مصلحة إلا ونحن قادرون على مثلها، كذوات الأوبار التي جعلت لها وقاء وكسوة، تلزمها ولا تعدمها، فإنا بفضل حيلة العقل نستعمل مثل ذلك إذا احتجنا إليه، ونفارقه إذا استغنينا عنه، وكذوات الحد والشوكة من صدف ومخلب، فأن لنا مكان ذلك ما نستعمله من السيوف والرماح وسائر الأسلحة، وكذوات الحافر والخف والظلف، فأن لنا أمثال ذلك مما ننتعله ونتقي أذى الأرض به، وجعل لنا خدما وأعوانا، وزينة وجمالا، وأكلا وأقواتا، فبعض نمتطيه، وبعض نقتنيه، وبعض نغتذيه، وأحل لنا صيد البر والبحر والهواء، نقتنص الوحش من كناسها، ونحطها من معاقلها، ونستنزل الطير من الهواء، ونستخرج الحوت من الماء. ولم يكلنا في ذلك إلى مبلغ حيلتنا حتى عضدنا عليه، وسهل السبيل إليه، بأن خلق لنا من تلك الأنواع أشخاصا أغراها بغيرها من سائر أجناسها، ووصلها من آلة الخلقة، وسلاح البنية، وقبول التأديب والتضرية، والانطباع على الأكف والاستجابة، فدلنا على موضع الصنع فيها،
Halaman 17
وموقع الانتفاع بها، كل الفهد والكلب وسائر الضواري، والبازي والشاهين والصقر وسائر الجوارح كل ما يحويه من ذلك لنا كاسب، وعلينا كادح. وبمصلحتنا عائد، نستوزعه جل جلاله الشكر على ما منحناه من هذه الموهبة، وفضلنا به من هذه التكرمة، إلى ما نقصر عن تعداده، ونعجز عن الإحاطة به، من عوائد كرمه، وفوائد قسمه، ونرغب إليه جل جلال في العون على طاعته ومقابلة إحسانه باستحقاقه. وصلى الله على محمد نبيه الصادق الأمين البشير النذير، وعلى آله الطيبين الأخيار، وسلم تسليما، وعلى الأئمة من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب حتى تنتهي إلى العزيز بالله أمير المؤمنين فتشمله ونسله إلى يوم الدين.
إن للصيد فضائل جمة، وملاذ ممتعة، ومحاسن بينة، وخصائص في ظلف النفس ونزاهتها، وجلالة المكاسب وطيبها كثيرة، به يستفاد في النشاط والأريحية، والمنافع الظاهرة والباطنة، والمران والرياضة والخفوف والحركة، وانبعاث الشهوة، واتساع الخطوة، وخفة الركاب، وأمن من الأوصاب مع ما فيه من الآداب البارعة، والأمثال السائرة، ومسائل الفقه الدقيقة، والأخبار المأثورة، ما نحن مجتهدون في شرحه وتلخيصه، وتفصيله وتبويبه، في هذا الكتاب المترجم بكتاب البيزرة، على مبلغ حفظنا، ومنتهى وسعنا، وبحسب ما يحضرنا، وينتظم لنا، اتباعا فيما لا يجوز الابتداع فيه، وابتداعا فيما أغفله من تقدمنا ممن يدعيه، ونحن مقدمون ذكر الأبواب التي تشتمل على ذلك، ليأتي كل باب منها في معناه، وبالله الحول والقوة ومنه عز وجل التوفيق والمعونة.
Halaman 18
باب من كانت له رغبة في الصيد وعنده شيء من آلته من الأنبياء صلوات الله عليهم، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه ومن الأشراف.
باب تمرين الخيل بالصيد والضراءة وجرأة الفارس على ركوبها باقتحام العقاب، وتسنم الهضاب، والحدور والانصباب.
باب ما قيل في طرد كل صنف من وحش وطير.
باب فضائل الصيد وأنه لا يكاد يحب الصيد ويؤثره إلا رجلان متباينان في الحال، متقاربان في علو الهمة، إما ملك ذو ثروة، أو زهد ذو قناعة، وكلاهما يرمي إليه من طريق الهمة، إما لما تداوله الملوك من الطلب، وحب الغلبة والظفر، وموقع ذلك من نفوسهم، أو للطرب واللذة والابتهاج بظاهر العتاد والعدة. والفقير الزاهد لظلف نفسه عن دني المكاسب، ورغبتها عن مصرع المطالب وحقنه ماء وجهه عن غضاضة المهن، وتقاضي أجرة العمل، فمن هذه الطبقة من يقتات من صيده ما يكفيه، ويتصدق بما يفضل عنه، توقيا من المعاملة والمبايعة، ومنهم من يبيع ما فضل عن قوته، ويعود بثمنه في سائر مصلحته. وكانت هذه حال الخليل بن أحمد الفرهودي مع فضله وأدبه وكمال علمه وآلاته ، في بازي كان يقتنص به، ويوسد خده لبنة، وكان جلة الناس في عصره يجتذبونه، ويعرضون عليه المشاركة في أحوالهم فلا يثنيه ذلك من مذهبه، فأحد من كاتبه سليمان بن علي الهاشمي فكتب الخليل بن أحمد إليه:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال
شحا بنفسي أني لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال
Halaman 19
وقلما رأيت صائدا إلا تبينت فيه من سيما القناعة، وعلامة الزهد والصيانة، ما لا تتبينه في غيره من سائر المخالطين للناس، ولا تكاد تسمع منه ولا عنه ما تسمعه من سائرهم وعنهم.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس في التفسير قال: إنما سمي أصحاب المسيح الحواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين.
وقال أرسطا طاليس: أول الصناعات الضرورية الصيد ثم البناء ثم الفلاحة، وذلك لو أن رجلا سقط إلى بلدة ليس بها أنيس ولا زرع لم تكن له همة إلا حفظ جسمه ونفسه بالغذاء الذي به قوامه، فليس يفكر إلا فيما يصيده، فإذا صاد واغتذى فليس يفكر بعد ذلك إلا فيما يستظل به ويستكن فيه وهو البناء، فإذا تم له فكر حينئذ فيما يزرعه ويغرسه.
ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانما، وينكفئ الملك غارما، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن ههنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخي.
قال أبو العباس السفاح لأبي دلامة: سل؟ فقال: كلبا، قال: ويلك، وماذا تصنع بالكلب؟ قال: قلت: سل، والكلب حاجتي، قال: هو لك، قال: ودابة تكون للصيد، قال: ودابة، قال: وغلام يركبها ويتصيد عليها، قال: وغلام، قال: وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا، قال: وجارية، قال أبو دلامة: كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال لا بد من دار، قال: ودار، قال: ولا بد من غلة وضيعة لهؤلاء، قال: قد أقطعناك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة ، قال: وما
Halaman 20
الغامرة؟ قال: لا نبات فيها، قال: أنا أقطعك خمس مائة جريب في فيافي بني أسد، قال: فقد جعلنا لك المائتين عامرة، بقي لك شيء؟ قال: أقبل يدك، قال: أما هذه فدعها، قال: ما منعت عيالي شيئا أهون من فقدا من هذا.
وقيل لبعض من كان مدمنا على الصيد من حكماء الملوك، أنك قد أدمنت هذا وهو خير الملاهي وفيه مشغلة عن مهم الأمور ومراعاة الملك. فقال: إن للملك في مداومة الصيد حظوظا كثيرة أقلها تبينه في أصحابه مواقع العمارة من بلاده في النقصان والزيادة فيه، فأن رأى من ذلك ما يسره بعثه الاغتباط على الزيادة فيه وأن رأى ما ينكره جرد عنايته له ووفرها على تلافيه، فلم يستتر منه خلل، ورأس الملك العمارة، ولم يخرج ملك لصيد فرجع بغير فائدة، أما دوابه فيمرنها ويكف من غرب جماحها، وأما شهوته فينسئها، وأما فضول بدنه فيذيبها، وأما مراود مفاصله فيسلسها، وأما أن يكون قد طويت عنه حال مظلوم فيتمكن من لقائه، ويبوح إليه بظلامته، فيسلم من مأثمه. وأما أن ينكفئ بصيد يتفاءل بالظفر به إلى خصال كثيرة لا يخيل ما فيها من الربح.
وقيل للزاهد المشغوف بالصيد: لو التمست معاشا غير هذا، فقال: ادن لا أحد مثله، أن هذا معاش يجدي علي من حيث لا أعامل فيه أحدا وأنفرد به من الجملة وأسلم فيه من الفتنة، وألتمسه في الخلوات والفلوات، وهي مواضع أهل السياحة ومظان أولي العبادة، وقلما خلوت من حيوان عجيب في خلقه، لطيف فيما يلهمه الله من احتيال رزقه، يحدث لي فكره في عظيم قدرة الله جل وعز على تصاريف الصور،
Halaman 21
واختلاف التراكيب، تعجبا من مذاهب الوحش والطير، في مساعيها لمعاشها، وتمحلها لأقواتها وما يلحقها حين تقع في الأشراك، وترتبك في الحبائل، من الحتوف التي تنصبها لها الأطماع، ويسوقها إليها الحرص، فأنا من ذلك بين متبلغ للدنيا، ومتأهب للآخرة.
وهذا كتاب كليلة ودمنة المتعارف عليه بين الحكماء فضله، المشتملة على الآداب جمله وفصوله، ذكر واضعه أنه حكمة ألفها ، وجعلها على ألسنة الطير والوحش، للطف مواقعها من النفوس، بمقارنة الشكل الحيواني، وإذا كانت كذلك كانت بالقلوب أمس، من الحفظ أقرب، وإذا كان لذكرها والحكاية عنها هذا الموضع، فما ظنك بمشاهدتها ومطاردتها والظفر بما امتنع على الطالب منها.
وكانت ملوك الأعاجم تجمع أصنافها، (من الحيوان في حظائر) وتدخل أصاغر أولادها عليها وتعرفها صنفا صنفا منها، كي لا (ينسبوا إلى الجهل) إذا كبروا ولم يكونوا رأوها في صغرهم، فرأوا شيئا منها غريبا سألوا عنه.
وأشرف الغذاء الذي تحفظ به الأعضاء وما شاكلها، وليس شيء أشبه بها، وأسرع استحالة إليها من اللحم، وأفضل اللحمان ما استدعته الشهوة، وتقبلته الطبيعة بقوة عليه، ولا لحم أسرع انهضاما، وأخص بالشهوة موقعا، من لحم الصيد المطرود المكدود، لأن ذلك ينضجه ويهريه ويسقط عن الطبيعة بعض المؤونة في طبخه، وقد قام في النفس من العشق له، والتهالك عليه، والتشوف إليه، ما لم يقم فيها لغيره من المطاعم، فإذا وافى الأعضاء وقد تقدمت له هذه المقدمات، أحالته ذ
Halaman 22
بالقبول في أسرع زمان. وإن كان الحيوان غليظا عكست هذه الأسباب طبعه، ونفت ضرره، وقمعت كيموسه، وربما أكل اللطيف الخفيف على تعنف وتكره، فكان إلى أن يأخذ من الأعضاء أقرب من أن تأخذ منه الأعضاء، وتأول الرواة معنى امرئ القيس في قوله:
رب رام من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره
فأتته الوحش واردة ... فتمتى النزع من يسره
فرماها في فرائصها ... من إزاء الحوض أو عقره
مطعم للصيد ليس له ... غيرها كسب على كبره
على المدح بادمان الصيد، ويمن الطائر فيه، واستثناؤه بقوله على كبره زائد عندهم في المدح لوصفه أنه يتكلف من ذلك مع قدح السن وأخذها منه شيئا لا يعجزه مع هذه الحال، ولا يلحقه فيها ما يعرض للمسن من الفتور والكلال، وبنو ثعل بنو عمه لأنهم فخذ من طيء، وكندة فخذ من مرة، ومرة أخو طيء، فلم يرد غير المدح. وهذا الرامي عمرو الثعلي، وكان من أرمى الناس وفيه قيل:
ليت الغراب رمى حمامة قلبه ... عمرو بأسهمه التي لم تلغب
وفي أبيات امرئ القيس هذه أدب من أدب الصيد ولطائف حيله، وهو قوله: فتمتى النزع من يسره، وتمتى وتمطى واحد، أبدلت التاء من الطاء وفي تمتى معنيان: أحدهما الاعتماد والتوسط من قولهم حصلته في متي كمى فتمتاه بمعنى تعمد متاه، والآخر بمعنى إبدال التاء من الطاء يريد التمطي، وهو
Halaman 23
أن مريدي الصيد بالرمي يتمطى بيساره نحو الأرض مرات حتى يؤنس الطريدة، فتألف ذلك منه ولا تذعر له، ثم حينئذ يستغرق نزعه، ويمضي سهمه. ولا يزال امرؤ القيس في كثير من شعره يفخر بالصيد وأكل لحمه، كقوله مع عراقته في الملك:
تظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
وسماه لذة واكتفى بذلك من أن يذكر الصيد لعلمهم بذلك واشتهاره فيهم وقدره عندهم فقال:
كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ومن فضائله ما فيه من التبرز على ركوب الخيل صعودا وحدورا وكرا وانكفاء وتعطفا وانثناء، وذلك كما قدمنا زائد في الفروسية، ملين من المعاطف، مسلس من المراود، محلل لكوامن الفضول، مثبت للركبة، منسيء للشهوة، مؤمن من العلل المزمنة.
وقال بعض الحكماء: قلما يعمش ناظر زهرة، أو يزمن مريغ طريدة، يعني بذلك من أدمن الحركة في الصيد، ونظر البساتين، فاستمتع طرفه بنضرتها، وأنيق منظرها، وليس يكبر الملك الرئيس العظيم الوقور إذا أثيرت الطريدة أن يستخف نفسه في ارغتها، ويستحضر فرسه في أثرها، ويترجل عنه في المواضع التي لا يقتحم الفرس مثلها.
وحكي عن عظماء الأكاسرة من ذلك ما هو مشهور في سيرهم، وعن الخلفاء الراشدين ما نذكره في باب من أغري به منهم، ومنها ما يسنح فيه من النشاط والأريحية، لا سيما مع الظفر، ودرك البغية، فأن المرء
Halaman 24
يكون في تلك الحال أطرب منه عند سماع شائق الألحان، وتشاجي النغم من ذوي الإحسان، وربما قويت النفس حينئذ، وانبسطت الحرارة الغريزية فعملت في كوامن العلل.
أخبرني غير واحد ممن شاهد مثل ذلك أنه رأى من غدا إلى الصيد، وهو يجد صداعا مزمنا، فطفر فعرض له رعاف حلل ما كان في رأسه، وآخر كانت به سلعة يجبن عن بطها، قويت عليها الطبيعة فانبطت. وآخر كان في بدنه جرح مندمل على نصل سهم، فبدر ذلك النصل، في وقت احداد حركته وتكامل أريحيته، وربما عكس ما يعرض له من ذلك ذميم حالاته، فآلت إلى ضدها من الخيرية، حتى يتشجع، وإن كان جبانا، ويجود وإن كان بخيلا، وينطلق وجهه وإن كان عبوسا.
أخبرني بعض الأدباء عن رجل من الشعراء قصد بعض الكبراء. فتعذر عليه ما أمله عنده، وحال بينه وبينه الحجاب، وكان آلفا للصيد مغرى به، فعمد الشاعر إلى رقاع لطاف، فكتب فيها ما قاله من الشعر في مديحه، وصاد عدة من الظباء والأرانب والثعالب، وشد تلك الرقاع في أذناب بعضها، وآذان بعض، وراعى خروجه إلى الصيد، فلما خرج كمن له في مظانه ثم أطلقها، فلما ظفر بها واستبشر، ورأى تلك الرقاع، ووقف عليها، زاد في طربه، واستطرف الرجل واستلطفه، وتنبه على رعي ذمامه، وأمر بطلبه فأحضر، ونال منه خيرا كثيرا.
Halaman 25
ومن شأن النفس أن تتبع ما عزها، وبعد من إدراكها، فإذا ظفرت بما هذه سبيله بعد إعمالها الحيلة فيه، كان استمتاعها بالظفر به أكثر منه بما وقع عليها فتيسر، وانقياد لها متسمحا.
وهذا شبيه بما تأوله يحيى بن خالد البرمكي في توصيته ولده، بتقديم العدات أمام الهبات، فأنه قال لهم: إن الموعد إذا تخيل فصدق، وانتظر فطرق، وأستنجح فأنجح، أمتع من مفاجأة البر.
ولو أن محاول حرب، أو مقارع جيش، هلك عدوه قبل مكافحته إياه حتف أنفه، أو انفل جيشه من سوء تدبيره فانصرف، أو جاءه ضاعا طالبا لأمانه، لما كان مقدار السرور بذلك كمقداره لو نازله فقهره، أو بارزه فأسره. وهذا بين في الملاعب بالشطرنج فأن أحذق الاثنين بها وأعلمهما بتدبيرها إذا تبين التفاوت بينه وبين الآخر، ورآه متتابع الخطأ، عميا عن الاحتراز، متورطا في الاغترار، مفرقا عدده، مستهينا لفنائه وتناقصه، محتملا للطرح، لم يلتذ بملاعبته، ولم يحل له قمره.
ولو أن ملكا يهدى له في كل يوم عدد كثير من أصناف الوحش والطير، لم يبلغ فرحه بذلك جزءا واحدا من اغتباطه بقنبرة ضئيلة يدأب في صيدها، أو عكرشة هزيلة يظفر بها، وكم من جواد رائع يضن بظهره على أحب أولاده إليه قد قتله بازياره، ولو أن الصيد أمكن مريغه في أول إثارته لنقص ذلك من لذته، وقدح في موقعه.
وقال بعض المحدثين:
لولا طراد الصيد لم يك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا
هذا الشراب أخو الحياة وما له ... من لذة حتى يصيب غليلا
وأخذ هذا محمد بن الوزير الحافظ الغساني فكساه لفظا حسنا في كلمة له يعتذر فيها من تأخير هدية:
Halaman 26