Bayan Sarih

البيان الصريح والبرهان الصحيح في مسألة التحسين والتقبيح

Genre-genre
Zaidism
•
Wilayah-wilayah
Yaman
•

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي عمت نعمته فعم وجوب شكرها، وجلت عظمته فعم وجوب الخضوع لعالي قدرها، وبهرت حكمته فوجب اعتقاد حسن نهيها وأمرها، فمن معترف بلسان الحال والمقال، ومقر بلسان الحال وإن أنكر بلسان الجدال، وسبحان الله عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، الذي دل العقول في بديع صنعته على عظيم علمه وباهر حكمته في جميع الأقوال والأفعال، وأشهد أن لا إله إلا الله إقرارا بوحدانيته حميدا مجيدا، وإيمانا بأن الله لا إله إلا هو قائما بالقسط ببريته، عزيزا حكيما.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} وصلى الله على مصطفاه من بريته أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم وسلم، وبارك وتحنن وترحم، وعلى آله الذين جعلهم أمانا لهذه الأمة من الضلال واصطفاهم، وأورثهم الكتاب وعلمهم الحكمة واجتباهم.

أما بعد..

Halaman 1

فإن هذا البيان الصريح والبرهان الصحيح في مسألة التحسين والتقبيح يبين ماهية المسألة وفائدتها، ويشير إلى عظيم خطرها وعموم التكليف بها، ويوضح موضع الاتفاق والاجتماع، وموضع الاختلاف ومحل النزاع، ويكشف عن معنى هذين اللفظين بما يرادفهما في المعنيين، ثم يذكر بشطر من البراهين العقلية والنقلية، والأدلة السمعية القاضية بأن المسألة عقلية وسمعية، وأن الحكم بمثل توحيد الله حسن في نفس الأمر من قبل الوحي والارسال، والحكم بخلاف ذلك قبيح في جميع الأحوال لينبه على الاستدلال بأمثال ذلك مما لا يحصى، وعلى أن الحكم بها جلي لا يدق مهمة ولا يخفى، حاكيا من آثار أهل البيت الربانيين الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، وسائر العلماء الذين يهتدون بهديهم وعليهم يعتمدون، ومن كلام بعض مخالفيهم الذين سلكوا في المسألة طريق الانصاف، وتجنبوا طريق الزيغ والاعتساف، فأما أهل البيت فهم الشهداء على الناس، وبكلامهم يظهر الحق ويبطل الالباس، وأما سائر العلماء فلأنه كم من معرض عن استماع الحجة إلى أن تعزى إلى بعض أئمته وأهل مقالته، وكم من نافر عن قبول الحق إلى أن يعلمه مذهبا لبعض أسلافه وأهل نحلته، فأردنا بما نقلناه عنهم في ذلك إرداة صحيحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الدين النصيحة)).

فصل

فأما الماهية: فقد قال أصحابنا للقبيح حدان:

حقيقي، ورسمي.

فالحقيقي: هو الفعل الذي ليس للقادر عليه المتمكن من الاحتراز منه أن يفعله.

Halaman 2

قلت: وهذا مدلول قول الله تعالى: {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} وقوله: {قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} وقوله:{ما كان لله أن يتخذ ولدا} وقوله: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} ونحو ذلك.

وأما الرسمي: فقال في المنهاج: هو ما إذا فعله القادر عليه استحق الذم على بعض الوجوه إلا في حالة عارضة.

قال أصحابنا: وأما الحسن فله حدان:

حقيقي، ورسمي:

فالحقيقي: هو الفعل الذي للقادر عليه المتمكن من الاحتراز منه أن يفعله، هذا عند بعضهم.

وأما الرسمي فهو: الفعل الذي ليس للاقدام عليه تأثير في استحقاق الذم، وقد حده الإمام المهدي عليه السلام بأنه ما ليس بقبيح ولفاعله فيه غرض صحيح.

وقال في المنهاج: هو ما إذا فعله المتمكن من العلم بصفته لم يستحق الذم لوجه.

قال: والحسن إنما يحسن لحصول غرض فيه وتعريه عن سائر وجوه القبح، هذا ما يقوله أبو عبد الله البصري وعليه الجمهور.

وأما الشيخان: فعندهما أن الحسن أيضا يحسن لوقوعه على وجه، واعترضه الجمهور بأنه يلزم حسن الكذب الذي فيه جلب نفع أو دفع ضرر، ويمكن الجواب بأنهما يشرطان تعريه من وجوه القبح.

قلت: وأما المهدي عليه السلام فقد صرح بمثل مقالة أبي الهذيل بحسن الكذب الذي فيه جلب نفع أو دفع ضرر.

Halaman 3

قال الفقيه قاسم: والذي يصححه المتأخرون ما ذكره الشيخ أبو عبد الله البصري أنه لا وجه للحسن لمكانه بكونه حسنا، وإنما يحصل بحصول غرض فيه، وتعريه عن سائر وجوه القبيح، وقد ذكر الفقيه حميد بن أحمد أنما ذكره أبو عبد الله من حصول الغرض يرجع إلى ما ذكره الشيخان من الوجوه، فقد عاد الأمر إلى الوفاق من حيث المعنى.

وأما ماهيتهما عند الأشاعرة: فالقبيح مانهي عنه شرعا، والحسن بخلافه.

فصل

وأما فائدتها: فاعلم أن هذه المسألة هي قطب رحى العدل وإليها يرجع من مسائله كل فرع وأصل.

قال الإمام الناطق بالحق يحيى بن الحسين الهاروني عليه السلام: اعلم أن أرباب التعديل والتجويز على أن الله لا يفعل القبيح.

وقال الإمام الهادي لدين الله أحمد بن يحيى عليه السلام: إنما وصفها السيد مانكديم رحمة الله عليه في شرح الأصول بأنها مسألة كبيرة لأنها قاعدة الخلاف بيننا وبين المجبرة في جميع مسائل العدل، ولو وافقونا فيها وافقونا في سائر مسائل العدل.

فصل

وأما الإشارة إلى عظيم خطرها وعموم التكليف بها فذلك يظهر عند ذكر أدلتها وقد قال الإمام المهدي عليه السلام في (الغايات): واعلم أن العمل بهذه المسألة من فروض الأعيان؛ لأنه ينبني عليها العلم بعدل الله، وحكمته فهذا أعني العلم بعدل الله وحكمته في أوامره ونواهيه، واعتقاد وجوب شكره وسائر ما يدرك بالعقل حسنه، وقبح الظلم والكذب وسائر ما يدرك العقل قبحه سر المسألة وفائدتها وثمرة الاختلاف فيها وغايتها.

Halaman 4

فصل وأما بيان موضع الاتفاق والإجماع فقال في (الفصول) و(شرح): المقاصد أنهم اتفقوا على حسن الشيء وقبحه بمعنى صفة الكمال والنقص كالعلم والجهل، وبمعنى الملائمة للغرض وعدمها كالعدل والظلم.

قال في شرح المقاصد: وبالجملة كلما يستحق عليه المدح والذم في فطر العقول ومجاري العادات فإن ذلك يدرك بالعقل ورد الشرع أم لا بلا نزاع.

وأما محل النزاع ففي تعليق الشارع المدح والثواب لحكمته بما هو حسن في علمه سواء أدرك العقل ذلك كالعدل والإحسان أم لم يدركه كصوم آخر يوم من رمضان، وفي تعليق الذم والعقاب لحكمته بما هو قبيح في علمه سواء أدرك العقل ذلك كنحو الظلم والعدوان أم لا كصوم أول يوم من شوال، وأئمتنا عليهم السلام وموافقوهم يثبتون الحكمة لله لفظا ومعنى كما أثبتها لنفسه في كتابه الكريم وعلى ألسنة رسله عليهم أفضل الصلاة والتسليم، والمخالفون لا يثبتونها ويقولون لم يعلق الشارع المدح والثواب ولا الذم والعقاب بما هو حسن ولا بما هو قبيح؛ لأن أفعاله تعالى عندهم لا لغرض ولا لعلة البتة.

قال القرشي رحمه الله في (المنهاج): الخصوم قد التزموا معنى العبث في حقه تعالى وامتنعوا من إطلاق العبارة، وزعموا أن ذلك لا يقبح منه تعالى على مثل كلامهم في الظلم وغيره.

Halaman 5

قلت: ولا يمكنهم إثبات الحكمة لله مع نفيهم الغرض في أفعاله وأحكامه فلا ينفون عنه الظلم ولا الجور ولا غيرهما من القبائح، والعدلية جميعا ومن وافقهم ينفون عنه ذلك كما نفاه عن نفسه في محكم كتابه وعلى ألسنة رسله صلوات الله عليهم وسلامه، والذي يدل على أن مراد المثبتين للتحسين والتقبيح إثبات الحكمة لله في أفعاله من كلام أئمتنا ومن وافقهم في ذلك من سائر العلماء ما نحكيه عنهم بألفاظهم، وعلى أن مراد المخالفين لهم نفي الحكمة عن الله سبحانه عما يقولون ما نحكيه عنهم بألفاظه.

قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين رضوان الله عليه ورحمته في (الأحكام): يجب على من أراد التخلص من الهلكة والدخول في باب النجاة أن يعلم أن الله عز وجل عن كل شأن شأنه عدل في جميع أفعاله، وأنه بريء من مقالة الجاهلين، متقدس عن ظلم المظلومين، بعيد عن القضاء بالفساد للمفسدين، متعال عن الرضا بمعاصي العاصين، بريء من أفعال العباد غير مدخل لعباده في الفساد، ولا مخرج لهم من الخير والرشاد، وكيف يجوز ذلك على حكيم أويكون من صفة رحيم.

وقال في كتاب معرفة الله من العدل والتوحيد: وذلك أنه من فعل شيئا من ذلك أو أراده أورضي به ليس بحكيم ولا رحيم.

وقال السيد الإمام الناطق بالحق عليه السلام: قد قامت الدلالة أنه لا ينهى إلا عما يكره ولا يكره إلا المعاصي بحكمته.

Halaman 6

وقال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام في (الشامل الحكيم في مصطلح المتكلمين): هو الذي لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب، وأفعاله كلها حسنة، والمقصود من الحكمة يحصل بالكلام في شأن هذه الأمور الثلاثة فلا جرم رتبنا الأدلة على الحكمة -يعني دلالة الحسن والقبيح- وقال عليه السلام: على هذا يكون قولنا حكيم مطابق لقولنا عدل.

وقال المهدي عليه السلام في (الغايات) في الموضع الثاني من كتاب العدل وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف في كونه عدلا حكيما ما قد ذكرناه من قوله عليه السلام: واعلم أن العلم بهذه المسألة من فروض الأعيان لأنه يبتني عليها العلم بعدل الله وحكمته، وقال عليه السلام حاكيا عنهم في الجواب عن قولنا أن الحكمة تصرفه عن فعل القبيح أنهم قالوا: أنتم الآن في الاستدلال عليها-يعني على الحكمة- قال: أورده الفخر الرازي فتبين أن النزاع في إثبات الحكمة له تعالى كما نقول أو نفيها عنه كما يقولون.

قال السيد محمد بن إبراهيم في كتاب (الإيثار): وليس النزاع إلا في نفي الحكمة عن علمه تعالى لا عن معارف عقول العقلاء، قال: والخصم لا يجوز أن يعلل شيء من أفعاله بحكمة، بل يجب عنده القطع بخلوها عن ذلك، بل يجب القطع بأن ذلك هو الأولى بممادح الرب تعالى.

Halaman 7

قال: ومعناها -يعني الحكمة-: العلم بأفضل الأعمال والعمل بمقتضى ذلك العلم، مثاله: العلم بأن الصدق أولى من الكذب، والعدل أولى من الجور، والجود أولى من البخل، والإحسان أولى من الإساءة، ولا خلاف في تسمية هذا حكمة في حق الحكماء والعلماء من الخلق، وإنما ادعى بعض الغلاة أن مثل ذلك محال في حق الرب عز وجل.

وقال في شرح الصحائف تابعا لطريقة الإيضاح: والحق في هذه المسألة أن أفعال الله وأحكامه لا تتعلق إلا بما هو أحسن وأولى لنفسه أو بالنسبة إلى الغير؛ لأنها لو تعلقت بما لا يكون أحسن وأولى مطلقا مما يكون أحد الطرفين أولى فحصول ذلك الشيء إن لم يكن أولى به كان فعله نقصا وسفها لأن ما لا يكون أولى به لا في نفس الأمر وبالنسبة إلى الغير يكون فعله عبثا وسفها وهو القادر الغني الحكيم، وساق كلامه إلى أن قال: وأيضا كيف يليق بالقادر الحكيم الغني أن يترك الأولى ويفعل الأدنى وامتناع هذا ضروري...إلى آخر ما قال.

وقال في (الرسالة السعدية): ذهبت المعتزلة إلى أن الله عدل حكيم لا يفعل القبيح، ومنعت الأشعرية من ذلك، وأسندوا القبائح كلها إلى الله تعالى.

وقال ابن القيم تابعا لطريقة الإيضاح: وسر المسألة أن من قال بحكمة الله قال بالتحسين والتقبيح، ومن لم يقل بذلك وأن أفعال الله لا لغرض قال بأن لا حسن في الأفعال ولا قبيح.

Halaman 8

فكل هذه النصوص التي ذكرناها من هؤلاء العلماء تشهد أن النزاع بيننا وبين مخالفينا في هذه المسألة محله في إثبات الحكمة لله في أفعاله وأحكامه التي يتعلق بفاعلها الذم والعقاب والمدح والثواب.

قال السيد محمد بن إبراهيم: وسبب وقوع الخلاف في ذلك أن قوما ممن أثبت الحكمة غلوا في ذلك وأوجبوا معرفة العقول للحكمة بعينها على جهة التفصيل، فرد عليهم طائفة من الأشعرية وغلوا في الرد وأرادوا حسم مواد الاعتراض بنفي التحسين العقلي، واستلزم ذلك نفي الحكمة فتجاوزوا الحد في الرد، ووقعوا في أبعد مما ردوه.

قلت: والذي عليه من أئمة أهل البيت عليهم السلام وسائر العدلية وهو الحق إثبات الحكمة لله تعالى سواء أدرك العقل ذلك أم لم يدركه، قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وقد قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام في جواب الملحد: واعلم أنه لو لم يعرف علل ذلك كان جائرا وذلك أنه في بدء الأمر إذا أقمت الدلالة على أنه حكيم في نفسه وفعله، ثم دللت على أن الكل حكمة استغنيت عن معرفة علله.

Halaman 9

قال ابن القيم: فحسب العقول الكاملة أن تستدل بما عرفت من حكمته على ما غاب عنها، قال: وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صنعه وإبداعه وأمره وشرعه فيكفيهم فيه معرفتهم بالوجه العام أن يضمنه حكمة بالغة وإن لم يعرفوا تفصليها، وأن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فيكفيهم في ذلك الاستنقاد إلى الحكمة العامة الشاملة.

وقال في الكاشف في تفسير قوله تعالى:{ الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام}: وأما الداعي إلى هذا العدد دون سائر الأعداد فلا شك أنه داعي حكمة لعلمنا أنه لا يقدر تقديرا إلا بداعي حكمة وإن كنا لا نطلع عليه ولا نهتدي إلى معرفته، ومن ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار تسعة عشر وحملة العرش ثمانية، والشهور اثنا عشر، والسموات سبعا، والأرض كذلك، والصلوات خمسا وأعداد النصب والحدود والكفارات وغير ذلك، والإقرار بدواعي الحكمة في جميع أفعاله وبأن ما قدره حق وصواب هو الإيمان، وقد نص عليه في قوله: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا} ثم قال: {وما يعلم جنود ربك إلا هو}.

Halaman 10