712

ثم إن الله تبارك اسمه إنما جعل الخطاب للفائدة والإفهام، وليعلم المأمور غرض الأمر ومراد المخاطب، والحكيم لا يخاطب بما لا فائدة فيه، ولا يأمر بما لا يفهم عنه، ألا ترى أنه غير جائز أن يأمر أحدا بالقعود وهو يريد القيام؟ لأنه إنما يأمر ليمتثل أمره، فإذا لم يبين مراده لا يمكن أن يمتثل أمره، فإذا لم يبين مراده لا يمكن أن يمتثل أمره، ولم يتهيأ أن يعتقد طاعته فيما كلفه إياه، وإذا كان كذلك لم يجز أن يتأخر البيان عن وقت الخطاب، لتمام فصل الكلام، لأن تأخيره يوجب اعتقاد غير ما ظهر، لأنه إذا خاطب بظاهر الإطلاق والعموم وهو يريد التقييد والخصوص، ثم لم يقرنه بدلالة تبين عنه، كان قد ألزم عباده أن يعتقدوا خلاف ما أراه منهم، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

فالخطاب إذا ورد فلعمومه صيغة، كما أن للخصوص صيغة، وللأمر صيغة وللنهي صيغة، ولكل وجه من وجوه الخطاب صيغة يعرف بها حكمه، ويدل المخاطب بها على معناه، ولن يجهل ذلك أو شيئا منه أحد من أهل اللسان والمعرفة به، من أهل اللغة والبيان.

غير أن العرب لسعة لغتهم وكثرة معاني كلامها، تعبر عن الخصوص بلفظ العموم، وعن العموم بلفظ الخصوص، وعن الحقيقة بلفظ المجاز، وعن المجاز بلفظ الحقيقة، وهذا معروف بينهم، ومنسوب عندهم، وعليه أدلة موضوعة من مقدمة الكلام وصلته، وبالإشارة المعهودة عندهم، وعلى ما يتعارفونه بينهم، فما فرق به الدليل نقل عن موضعه وصيغته.

وعلى هذا النحو جرت المخاطبة من الله تبارك وتعالى، في محكم كتابه، خاطبهم باللسان العربي المبين، فعلى هذا يجب أن يجب أن يعتبر الخطاب إذا ورد من الله جل ذكره، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، فما ورد بلفظ العموم أجرى على عمومه، ما لم يخصه دليل المخصوص، وما جاء بلفظ الخصوص أوقف على خصوصه، ما لم يطلقه دليل العموم، وفي هذا المقدار كفاية لمن أراد الله رشاده، وبالله نستهدي وعليه نتوكل.

Halaman 226