فأما البغاة فلا يحل قتل أحد منهم بعد الأسر إلا إذا كان قتل بيده مسلما غير مدافع، وعلم ذلك بحرمته بالإسلام؛ فإن كان قد قتل وأقر بذلك وجاءت بينة عادلة أو تواتر قتل قصاصا ولا يسترق أو يمن عليهم مع فداءهم لنفوسهم بأسرانا مع الضعف أو يتركون بغير شيء حيث لا يرجعون إلى فئة لهم ولا قد قتلوا من المسلمين، ويجوز قتلهم لمجرد كفرهم لقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}(1) وفي ذلك كله يقول الله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق}(2) ثم قال تعالى بعد ذلك حين قد حصل ما حصل من إثخانهم على وجه صاروا فيه ضعفة مأموني الضرر على المسلمين وبلادهم، فقال تعالى في ذلك المن أو الفداء: {فإما منا وإما فداء}(3) فإن كان بالمسلمين ضعف وركة وفي الكفار قوة وحيف على المسلمين من قصدهم ومضرتهم إذا قصدوا وجب مصالحتهم ولو على مال منا لهم، ويكون مدة معلومة على حسب حال، وذلك لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} ولقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} ولمصالحته [70ب] صلى الله عليه وآله وسلم أهل مكة عشر سنين، ويجب الوفاء لهم ولو صار المسلمون أهل قوة لقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} ولقوله تعالى: {يا أيها الذين أوفوا بالعقود}(4) ولقوله تعالى: {والله لا يحب الخائنين}(5) ولقوله تعالى: {والله لا يحب كل ختار كفور}(6) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أعطوهم ذمتكم وفوا لهم بها))(1)، ومن جاءنا في مدة الصلح من النساء مسلمة اختبرت بأن نعرض عليها أحكام الإسلام لها وعليها فقبلته ولم ترد إليهم ولم يخل بينها وبينهم بعد ذلك لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن}(2) فإن امتحن ولم يقبلن أحكام الإسلام التي لا يتم الإسلام إلا بها كالأركان الخمسة رددن لحرمة العهد لقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} ولا يكون لهن حكم المرتد لأن إسلامهن لم يثبت حين لم يمتثلن أحكامه وكذلك كل من أسلم من رجل وامرأة ولم يمتثل أحكام الإسلام الذي لا يتم الإسلام إلا بها لم يكن مسلما لقوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم}(3) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم للذي شهد من اليهود أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه نبي صادق فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم أعني يهود- بالشاهدين منهم له بأنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فما منعكم أن تتبعوني))(4) فلم يثبت بتلك الشهادة إسلاما حين لم يتبعوه صلى الله عليه وآله وسلم بقبول أحكام الإسلام ولم يقل لهم صلى الله عليه وآله وسلم إنهم ارتدوا حين غلبوا من الإتباع بعد الشهادة؛ فإن كان بالمسلمين حاجة إلى نشر العلم وتعليم الشرائع أو لم يجهز لجهادهم إلا العلماء المشتغلون بمصالح المسلمين جازت مصالحتهم لذلك إذا كان جهادهم وقتالهم يشغل عنه ولا يكمل معه وقد تجب أيضا مصالحتهم إذا أدى إلى الإخلال بما هو فرض عين من العلم وفي ذلك يقول الله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}(1) ويقول الله تعالى في إيثار العلم وتعليمه وتعريف الشرائع من جهلها: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}(2) فإن نكث الكفار العهد من كلهم أو بعضهم ولم ينكر الباقون بعد علمهم غلبهم بنقض عهدهم وانتقاضه بأن يتعمدوا قتل مسلم أو ذمي أو أخذ ماله كما تقدم ويبعثوا للحرب فيقاتلون ويقصدون مع القدرة عليهم وقوة المسلمين لحربهم ولا يسالمون بعد ذلك حتى يضعفوا كما تقدم غير ما يعتادون من الجنايات ولو ظلما لقوله تعالى: {فإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون * ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين * قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم}(3) وذلك معلوم فإن لم يقدر على قصدهم وخشي قصدهم ولم يقبلوا عهدا أو نقضوه أولم يؤمن غدرهم إذا [71أ] عوهدوا عهدا آخر وخيف أن يقصدوا بلد المسلمين وجب حفظ بلاد المسلمين بما يسد ذلك من مال ورجال وخيل وغير ذلك فرضا لازما، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}(1) ويقول تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}(2) وقوله تعالى: {وخذوا حذركم}(3) وذلك معلوم، ويجري في البغاة الظالمين المفسدين العاصين ولا ية أهل بيت رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم المستأثرين عليهم المتمردين عن الإقرار بفضلهم ولو عدلوا كل العدل إلا غصب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمامتهم وإبطال حقهم وفضلهم أو لم يعدلوا أيضا فيجري لهم ما قدمنا في الكفار من الأحكام مع الأئمة الهادين من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المطهرين وجماعة المؤمنين وكذلك المحسنين وذلك إجماع بما تقدم من أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولقوله تعالى نصا في ذلك: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}(4) إلا أن البغاة لا يسبون ولا يقتلون إلا مدافعة أو خشية العود إذا انكسروا، ولا يقطع عليهم الميرة، ولا يكمل جريحهم، ولا يحل من أموالهم إلا ما أجلبوا به في الحرب، ولا يقتل أطفالهم ونساؤهم وعجزتهم للضرورة كالمشركين، ولا يترقب بصلحهم والمن عليهم الضعف كالكفار إذا أقلعوا عن فعل ما علم تحريمه وجب تركهم وذلك معلوم، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي -عليه السلام: ((إنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)) (1) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي -عليه السلام: ((إنك تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله))(2).
وأحكام البغاة كلها مأخوذة من سيرة علي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أخيه رسول الله [صلى] الله عليهما وآلهما وسلم.
ومن أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي -عليه السلام: ((إنك تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله)) (3) ونحوه من الأخبار .
ومن صريح قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}(4).
Halaman 5