تجلى الحق وظهر لذي عينين، وبرح الخفاء أن في قدرة ابن آدم أن يسامي الكواكب الدرية، ويرقى إلى الفضيلة والأخلاق العلية ، ويسعد مع النفوس القدسية وذلك مثله في هذا الرسم.
لعلك رأيت أنابيب الماء المستمدة من مستودع مرتفع كيف ترى تدفق مائها، ألم تر أنها نضاخة يتدفق الماء منها بلا عوج، وكأنه سبيكة فضة أسطوانية، حولها قطرات تجري على خطوط مستقيمة، لا يعدو عليها ذلك الماء الغزير لضعفها، ولا يسطو عليها لدقتها، بل تراها مندفعة متدفقة سائرة في طريق واحد، جارية لغايتها، واصلة إلى مستوى الحدائق والجنات، تسقيها جميعا كلا بقدره.
فالمستودع مثل المدارس في الأمم المستقبلة حين يرفعون عقولهم إلى مستوى الجمال البديع، منابذين طبائع الأسدية، عارجين إلى أفق الحب الخالص، كما رأوا الكواكب والأفلاك في العوالم العلوية، فيتخرج التلاميذ على المبادئ الحبية، ويعمرون الأرض وهم إخوان متحابون، على سرر المحبة متكئون، لا يمسهم فيها إلا نصب الأعمال العلوية، والحوادث الجوية ونظام الجمعية، والتعاليم المدرسية، ومنابذة الطبائع الجبلية.
وإذا تصير أخلاق المحبة عادة راسخة وطبيعة ثابتة، مثل ما نبذ الناس زواج المحارم في أكثر الأمم والممالك، مع أن النساء متساويات، وهن بالطبع مشتهيات، فأصبح التخلق خلقا، والتطبع طبعا، هكذا في كل شئونكم ستكونون، ولأعدائكم تتوادون.
الماء سائل، وقد رأيتم أن الصنعة رفعته في مستودعه، فنظمت حركاته، وأغدقت على الأرض بركاته، وإذا كان الماء بالصناعة أخرج عن مألوفه الطبيعي، وارتفع عن مركزه الناموسي، وقرأ دروس العلا فأداها، وجرى على الأرض فأرواها، ثم ذهب إلى الأشجار فأنماها، أفأنتم أقل من الماء للرقي قبولا؟ أو أنتم ألزم لفطركم المألوفة، وأحوالكم المعروفة، من الماء لمجراه، ومن البحر لمستودعه في مسراه، ستكونون جميعا عالمين، ويصير الحب العام فيكم جبلة مألوفة، وطريقة معروفة، ويغدو ظلم الأعداء عارا كظلم الأبناء، والغضب والحرب خزيا كالفجور بالمحارم من النساء.
ولعمري إن من تحرج زواج محرمه «وهي وسائر النساء في الشهوة البهيمية سواء» لحري أن يخزى ويخجل من حرب إنسان آخر على ظهر الغبراء، متى لقن ذلك في صغره من الأهل والأصحاب، والمخالطين والأحباب، كما لقن احترام الأم وحب الأخت محبة روحانية خالصة من الشهوات البهيمية.
فالإنسان مستعد للفضيلة والعرفان في قرن واحد من الزمان إذا شمرت الأمم عن ساعد الجد وعممت التعليم، وجعلته من المهد إلى اللحد ، ونطقت بالمحبة العامة الألسن في المحافل والمدارس والمنازل وذكروا بالخزي والعار من ظلم وفتك وأورث الدمار.
هذا مثلكم يا أيها الإنسان، في مستقبل الزمان. فقلت له: إن السيد «ستيد» صاحب مجلة المجلات الإنجليزية يسعى لنشر السلام العام بين الأمم الراقية. فقال: أيبذر في السباخ، أيفرخ حيث لا إفراخ.
إن القلوب إذا تنافر ودها
مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
Halaman tidak diketahui