278

Kertas-Kertas Hidupku (Bahagian Pertama)

أوراقي … حياتي (الجزء الأول)

Genre-genre

جالسة إلى مكتبي أحاول الكتابة، أود أن أنهي هذا الجزء الأخير من قصة حياتي، القلم بين أصابعي لا يتحرك، شريف يقرأ الصحف في الصباح، ثم يجلس إلى مكتبه يواصل كتابة روايته الجديدة، لا أعرف كيف ينتقل بهذه السهولة من قراءة الأخبار إلى كتابة الرواية؛ إن قرأت الصحف أتوقف عن الكتابة يوما أو يومين حتى يزول التوتر والغضب، حتى أنسى حوادث القتل والحرب، أو أخبار المفاوضات من أجل السلام، كلاهما محكوم بقوة السلاح والمال والإعلام؛ الثالوث الذي يحكم العلاقات بين الدول أو الجماعات والأفراد.

أصبحت أقرأ الصحف بطريقتي الخاصة، أكتشف التناقض بين السطور المكتوبة وغير المكتوبة، والصور المرسومة في الصفحة الأولى، الابتسامات العريضة فوق الوجه واليد تختفي وراء الظهر ممسكة بآلة القتل. هذا الصباح كانت صورة الثالوث في كامب ديفيد الثانية، منذ واحد وعشرين عاما كانت كامب ديفيد الأولى، الوجوه الثلاثة في الصفحة الأولى، الرئيس الأمريكي والرئيس الإسرائيلي والرئيس المصري، يبتسمون للكاميرا ويتفاوضون من أجل السلام، كلمة السلام تعني الاستسلام أمام بطش السلاح والمال والإعلام. خرج الرئيس المصري صفر اليدين يبتسم للكاميرا يعلن الانتصار، وفي عيد النصر 6 أكتوبر 1981 انطلقت مائة وعشرون رصاصة في صدره، سقط قتيلا وهو يشهد موكب النصر المصنوع من البالونات والألعاب النارية الملونة، سار في جنازته الرؤساء الأميركيون والإسرائيليون وتخلف الشعب المصري عن الموكب. ذلك اليوم كنت في زنزانة داخل سجن النساء بالقناطر الخيرية، كان الرئيس المصري القتيل هو الذي أمر باعتقالي ضمن المعارضين لمعاهدة كامب ديفيد، كان يسميها معاهدة النصر والسلام، أصبح اسمها اليوم معاهدة الهزيمة والاستسلام، لا تتكشف الأوراق السرية للمفاوضات والمعاهدات إلا بعد عشرين أو ثلاثين عاما من حدوثها، لا تعرف الشعوب شيئا عما يدور في المداولات السرية، تنشر الصحف وأجهزة الإعلام أخبارا ملفقة، يعيش الناس في أوهام النصر، وأوهام الثراء بعد الموت، في قصور الجنة، يموتون والابتسامة على وجوههم وقلوبهم محروقة وفلذات أكبادهم مقتولة.

هكذا كانت صورة الرئيس الفلسطيني في كامب ديفيد الثانية، يبتسم للكاميرا، يداه وراء ظهره فارغتان، لا يملك شيئا، لا السلام ولا المال ولا الإعلام، ظهره عار لا يستند إلى أية قوة، جردوه من سلاحه ومن شعبه، جروه إلى مائدة المفاوضات في كامب ديفيد.

الرئيس الأمريكي يبتسم في وجه الرئيس الإسرائيلي، أياديهما تتشابك من وراء الظهر، يتبادلان السلاح والمال والإعلام، حصلت إسرائيل بالأمس فقط على 2,8 مليار دولار، وحصلت مصر على 2 مليار دولار، صدر قرار الكونجرس الأميركي والمفاوضات تجري في كامب ديفيد. قرأت الخبر في الصحف بالأمس، واليوم السبت 15 يوليو 2000 أرى صورة الرؤساء الثلاثة الأميركي والإسرائيلي والفلسطيني، تحت الصورة مانشيت كبير يتألق تحت أضواء النصر: تلعب مصر دورا قياديا في عملية السلام كامب ديفيد الثانية كما لعبت في كامب ديفيد الأولى.

شريف يناولني الصحيفة لأقرأ الأخبار، أختفي في غرفتي، أشعر بالعار! ما علاقة خبر المعونة الأمريكية لمصر ومعاهدة كامب ديفيد الأولى والثانية؟!

كلمة المعونة تجعل الدم يصعد إلى رأسي، كأنما شريان سينفجر حتما، ترن كلمة المعونة في أذني نابية، مثل البصقة أو الصفعة على الوجه. منذ عهد السادات أصبحت مصر تتلقى المعونة الأميركية؛ من أجل استمرار المعونة تحدث التنازلات. قلت لشريف: الدولة التي تعيش عالة على غيرها كالمرأة أو الطفل الذي يعيش عالة على غيره، منذ بلغت سن الرشد أصبحت أعول نفسي بنفسي، لكن كيف يكون الفرد مستقلا في وطن غير مستقل؟!

منذ الطفولة أهتف مع أبي، الاستقلال التام أو الموت الزؤام. لم أعرف ما هو الموت الزؤام، تصورت أنني لن أموت وإن سرت إلى الموت بقدمي، كنت أسمع أمي تقول: نرمي نوال في النار ترجع سليمة. أصبحت أمشي داخل النار دون أن أحترق، أسافر إلى جبهة القتال ثم أعود دون أن أموت.

كم مرة سافرت وعدت من دون أن أفقد ذراعا أو ساقا، بعد هزيمة 1967 تطوعت ضمن مجموعة من الأطباء، سافرنا إلى جبهة القتال في القنال، كان عددنا ستة أطباء متطوعين، انقسمنا إلى ثلاث فرق، كل فرقة تتكون من طبيبين، سافرت الفرقة الأولى إلى السويس، والثانية إلى الإسماعيلية، والثالثة إلى بورسعيد، كنت ضمن الفرقة التي سافرت الإسماعيلية مع زميل لي اسمه الدكتور طلعت حمودة.

كان صباحا مكفهرا ملبدا بالغيوم، تركت مكتبي في وزارة الصحة لأركب العربة اللوري إلى مدينة الإسماعيلية، جلست إلى جوار السائق في المقعد الأمامي، صعد طلعت حمودة من الخلف وجلس فوق دكة خشبية بين الصناديق المعبأة بزجاجات الدم والبلازما، كان شابا من عمري نحيف الجسم قصير القامة، يمكن أن يجلس بسهولة في أي مقعد، الطريق بين القاهرة والإسماعيلية يستغرق بالسيارة حوالي الساعتين، عجلات العربة اللوري ضخمة تضرب الأسفلت بقوة، أصابع السائق طويلة سمراء مشققة، تحوط عجلة القيادة كالأم تحتضن طفلها في صدرها، عيناه غائرتان تحت جبهة عريضة تتطلعان نحو جبهة القتال بشيء من القلق، يرتدي بدلة صفراء مهترئة، طاقية فوق رأسه لونها أصفر شاحب، شعر رأسه كثيف مجعد يتخلله الشيب، عمره خمسون عاما، بدا لي عجوزا وأنا في تلك المرحلة من الشباب، كنت أناديه عم محمد، يناديني باسم الضكطورة ... يذكرني بلهجة دادة أم إبراهيم وأقاربي في القرية، كان صامتا طوال الطريق، مستغرقا في التفكير، جسده القصير الممتلئ يهتز مع اهتزازات العربة اللوري، أصوات الزجاجات تتخبط داخل الصناديق، صوت الدكتور طلعت حمودة يأتينا من الخلف: فاضل كام كيلو يا عم محمد على الإسماعيلية؟ - أربعة كيلو يا ضكطور. - أنا سامع أصوات انفجارات. - أيوه يا ضكطور. - جايه منين دي يا عم محمد؟ - عساكر إسرائيل بيضربوا الإسماعيلية من البر التاني.

أتابع الحوار بين السائق والدكتور طلعت حمودة دون أن أدرك ماذا يحدث، لم أكن أعرف ما هي الحرب حتى ذلك اليوم في نهاية عام 1967، لم أكن أسمع صوت القنابل إلا في الأفلام، لم أكن شهدت القتلى والأشلاء الممزقة إلا في الصور.

Halaman tidak diketahui