Kertas-Kertas Hidupku (Bahagian Pertama)
أوراقي … حياتي (الجزء الأول)
Genre-genre
أجري لألحق بالقطار كما كنت وأنا طفلة، أحمل قلب الطفلة داخل جسد المرأة، أفرح بركوب القطار والجلوس إلى جوار النافذة، التلاميذ والتلميذات يجرون نحو القطار يتصايحون بالفرح، صورة جمال عبد الناصر تعلو جدار المحطة، بطل تأميم القناة وأحداث أخرى كانت تتوالى منذ خطابه الشهير في 17 مارس 1953م، كنت طالبة بكلية الطب، والطلبة يتجمعون حول الراديو في الفناء ويصفقون، صوت جمال عبد الناصر يدوي: «نحن نرفض الأحلاف العسكرية الأجنبية تحت اسم الدفاع المشترك، إن الدفاع عن الشرق الأوسط يهم دول المنطقة أكثر من غيرهم، لن يستطيع شعب رازح تحت نير الاستعمار أن يدافع عن استمرار هذا الاستعمار في وطنه بحجة تخوفه من اعتداء آخر قد يتعرض له هذه الشعب وقد لا يتعرض، إننا نريد جلاء ناجزا غير مشروط.»
لم يتم الجلاء إلا بعد ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر من هذا الخطاب، وفي 17 يونيو 1956م أقلعت الباخرة «إيڨان جيب» من قناة السويس حاملة آخر الجنود الإنجليز، انتهى الاحتلال البريطاني الذي دام اثنين وسبعين عاما، ليعود من جديد بعد أربعة شهور فقط، حين وقع الاعتداء الثلاثي على مصر.
في المقعد أمامي جلست تلميذة في العاشرة من عمرها تقريبا، حقيبة كتبها فوق ركبتها، مريلتها من الدمور بالمربعات الصغيرة الزرقاء، تشبه مريلتي في المدرسة الابتدائية، أول رحلة لي بالقطار من منوف إلى القاهرة منذ أربعة عشر عاما، كنت طفلة تهرب من القرية إلى المدينة، اليوم أنا شابة تهرب من المدينة إلى القرية، في الرحلة الأولى لم أكن أملك إلا قلمي الرصاص وكشكولي الأزرق، اليوم أملك شهادة الطب ولقب دكتورة.
تخرجنا أطباء دون أن نعطي حقنة واحدة في العضل أو الوريد، دربت نفسي بنفسي في سنة الامتياز، اختلست بعض الجراحات الصغيرة، أجريتها في غيبة الأستاذ والنائب، أولها عملية إجهاض وآخرها عملية استئصال الزائدة الدودية.
كنت أسمع أبي يقول: الجامعة ليس فيها تعليم مثل وزارة المعارف (المقارف)، إذا تعلم الناس فيها فلن يبقى حاكم على عرشه، كلية الحربية لا تخرج إلا الجهلاء، إن أصبحوا هم الوزراء ماذا يكون الحال؟! تضحك أمي وتسأله: يعني لو عملوك وزير التعليم حتعمل إيه يا سيد؟ كلمة سيد لم تخرج من فم أمي حتى أنجبت منه طفلها الخامس، منذ تزوج أبي لا تتحدث عنه إلا بضمير الغائب «هو»، أنجبت منه أطفالها التسعة دون أن تخلع ملابسها أمامه، أنا أيضا لم أخلع ملابسي أمام زوجي الأول .
ضحكت على نفسي وأنا جالسة في القطار، انتبهت التلميذة الجالسة أمامي، ضحكت هي الأخرى، عيناها السوداوان تلمعان بالبريق، يشبه البريق الذي كنت أراه في عيني وأنا طفلة، حقيبة يدي داخلها مرآة صغيرة مستطيلة، اختلست إليها نظرة سريعة، لمحت البريق فابتسمت لنفسي، كان القطار يجري بعيدا عن القاهرة، كالسجين يهرب من وراء القضبان، البيوت تتراجع إلى الوراء سوداء بالدخان، الكون ينفتح على الأفق، زرقة السماء والحقول الخضراء تتسع مع اتساع دلتا النيل.
الحقيبة الكبيرة إلى جواري فوق المقعد، نصفها ملابس ونصفها كتب، مؤلفات جديدة في الطب والفلسفة، روايات بالعربية والإنجليزية، ومفكرتي السرية، لم أكن أفتح مفكرتي إلا بعد أن ينام الجميع، في ضوء القمر أكتب أخشى أن أضيء النور، لا أحد يراني إلا عين الله التي لا تنام.
اهتز القطار منتفضا فوق العجلات، أطبقت ذراعي حول ابنتي، أيخرج عن القضبان وينقلب؟! الخوف من عقاب الله مدفون في أعماقي، منذ الطفولة أخاف منه!
دخل القطار محطة بنها، استيقظت ابنتي من النوم، ابتسمت امتلأت عيناها بالضوء، منذ ولدت ابنتي تمتلئ عيناها بالفرح حين تراني، لم يفرح أحد بوجودي في الحياة مثل ابنتي، عيناها عسليتان بلون عيني أمي، ترمقني أحيانا بنظرة تشبه أمي، يختلط علي الأمر، أظنها أمي عادت طفلة، تمتد يدها لتطبق على يدي كما كانت أمي بأصابعها الخمسة تطبق على يدي.
لم يكن عقلي يلتقط هذه اللحظة من قبل، هذه اللمسة الحميمة بين الأم والابنة، كان عقلي محشورا بأشياء ثقيلة، مشغولا عن هذه اللمسات الرقيقة بالقضايا الكبرى.
Halaman tidak diketahui